الإيمانُ الحقيقي
د.علي الشندي
عبارةٌ مشهورةٌ جداً ، يُرددُها خطباءُ المنبرِ ، وهي عبارةٌ مأخوذةٌ مِنْ آيةٍ قرآنيةٍ في سورةِ النساءِ على لسانِ مجموعةٍ من المنافقين ، في قولهِ تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾إذن هي مقالةُ المنافقين الذين يلبسون الأقنعةَ ، ويتبجحون بالشعاراتِ ، فهم يعُدُّونَ النجاةَ مِنَ القتلِ في سبيلِ هروبِهم وتقاعِسِهِم عنْ الجهادِ نعمةِ(قد أنعم اللهُ عليَّ إذْ لمْ أكن شهيداً)في حين لو جاءهم خبرُ الانتصارِ والكسبِ الماديّ أو المعنويّ تراهُ يتحدثُ ويقول :(يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)..هو جالسٌ في بيتِهِ ويختلقُ الحُجَجَ ، ويوجعَ رأسَكَ بأدلةٍ يبررُ بها خوفَهُ ، لكنَّهُ في الحقيقة يتمنى أنْ يكونَ لَهُ من المجاهدين ونصرهم شيءٌ ليفوزَ بهِ مثلهم..مجردُ أمنياتٍ خائبةٍ هي رأسُ مالِ العاجزين..قرأتُ في أحدِ كُتبِ السيدِ عبد الحسين دستغيب قصةً جميلةً ، تدورُ حولَ أحدِ الخطباءِ ، وهو ممنْ دأبَ يرددُ لسنواتٍ في بدايةِ مجلسهِ: يا ليتنا.. يا ليتنا كنا معكم..في إحدى الليالي رأى الحسين(عليه السلام)في عالمِ الرؤيا وحيداً فريداً ، قدْ أحاطَ بهِ الأعداءُ ، فنظرَ الحسينُ(عليه السلام)لهُ ، وأعطاهُ سيفاً ، وقال له : تقدمْ و دافعْ عنْ أمامِكَ ؛ كي تفوزَ فوزاً عظيماً ، أخذ السيفَ وتقدمَ نحو القوم … لكن لمّا نظرَ إلى بريقِ عيونهم ولمعانِ سيوفهم ، رمى السيفَ وولى هارباً ، وتركَ الامام الحسينَ وحدَهُ ، وأخذ يركضُ خائفاً حتى سقطَ مِنَ السرير!السلامُ عليك يا أبا عبد الله كمْ سقطَ مِنّا من على سريرِ أحلامِهِ … وأختبأ وراءَ كثيرِ أعذارهِ في معاركِ الحقِ ضد الباطلِ ، وآخرها ضدّ داعش عندما أفتتْ المرجعيةُ فتواها بوجوبِ الجهادِ الكفائي ، وأنّ مَنْ يُقتلُ دفاعاً عنْ الدينِ والمقدساتِ والوطنِ يُعدُّ شهيداً لا يغسّلُ ولا يُكفنُ ، بلْ يُدفنُ مُخضباً بدماءِ الشهادةِ ، وبذلك أصبحنا جميعاً نحنُ وشعاراتنا الكثيرة(يا ليتنا كُنا معكم ، هيهات منا الذلة ، معكم معكم ، لا معَ عدوّكم وغيرها..)على المحكِّ والاختبارِ الحقيقي..وفي ظلِّ خطورةِ الموقفِ بعدَ سقوطِ الموصلِ وتهديدِ داعش لحياتِنا ومقدساتنا،والمـجازرِ التــي وقعتْ وأخــــرى كان مِـــنِ المحــتملِ وقوعــــها،فضَّـــلَ أصــحابُ شــــعار( يا ليتنا كنا معكم) من أبطال الفيس بوك ، وصور( الفوتو شوب) أن يقضُوا صيفَ العراقِ وحرارةِ تموز في أعلى جبالِ أربيلِ وشلالاتِها ، وفي أصفهان وأجمل مدن إيران..وطبعاً هُمُ لا ينسون إخوانهم المجاهدين من دعاء أهل الثغور ، أحدُهُم أتصلّ بأحدِ المقاتلين مِن فندقٍ في أربيل في شهر رمضان ، يقول له : سددَ اللهُ رميتكُم وهنيئاً لكم ، وطبعا(يا ليتنا كنا معكم)لا أدري..لو أنَّ المرجعيةَ أفتتْ بالجهادِ العيني على الجميعِ.. ماذا كانَ سيحِلُّ بنا وبشعاراتِنا؟ربما وجدْنا الكثيرَ يعترضُ على الفتوى ويلومُ المرجعيةَ ؛ لأنّها عرضتْ حياةَ الناسِ للهلاكِ،وربما تمنى الكثيرُ منا أنْ يكون أعمى أو أعرج ليستثنى منْ حكمِ الجهاد..!فالإيمانُ الحقيقي بتضحيةِ سيدِ الشهداءِ ودروسِ عاشوراءَ يقطعُ الطريقَ على أصحاب الشعاراتِ الفارغةِ ، لأنّ رفعَ الشعاراتِ مِنْ غيرِ استعدادٍ حقيقيٍّ للتضحيةِ يفرزُ أمةً خاويةً تعيشُ الظلمَ والهوانَ وضياعَ الحقوقِ في واقعِها السياسي والاجتماعي مع إنّها تتبجّحُ بشعاراتِ عاشوراء التضحيةِ والفداءِ .



