الأدب الإسلامي والثقافة الهادفة
صباح محسن كاظم
لعلّ من المرجح لخدمة العقل والروح وبناء الشخصية السويّة يتمثل بجوهر النتاج الأدبيّ والفكريّ والثقافيّ الذي يستمد من الإيمان عبق العطاء وأريج الولاء الحسينيّ .. لذلك أكد الأديب الجاد (طالب عباس الطاهر) في مؤلفاته القيّمة وتنظيراته السديدة على قيّمة المُعطى الثقافيّ الإسلامي، ففي كتاب (الأدب الإسلامي.. رؤية معاصرة) يُقسم الأدب حسب منظور الرؤية الإسلامية إلى ثلاثة أقسام، ويفصل ذلك تفصيلاً واقعيّاً نستشف منه ـ ملخصاً ـ (أولاً: أدب ملتزم ينسجم مع الفطرة السليمة للإنسان، تقرّه الشريعة الإسلامية، بل وتحرّض عليه كونه يفتح الآفاق أمام الإنسان، في محاولة لتغذية ملكة البصر نحو الإبصار، ويستحثه لإيجاد الإجابات عن أبعد أسئلة الوجود غرابة وعمقاً، ويحاول أن يفتّح أفق بصيرته على عوالمٍ الخلق. ثانياً: أدب مباح، لاترفضه الشريعة ولا تحرّض عليه، كونه لا يلتزم بالثوابت الإسلامية برغم عفويته العالية، كما انه لا يسيء إليها، بل يعبر عما تجيش به الدواخل الإنسانية من دواعي الحزن والفرح. ثالثاً: أدب غير ملتزم، تنهى عنه الشريعة الإسلامية، وتحرّم التعاطي معه، وترفضه، كونه يتقاطع مع المفاهيم الإسلامية ويمسها سلباً، حيث يحط من قيمة الإنسان، وينحدر به إلى درك الحيوان، من خلال الدعوة إلى الإلحاد، أو الإباحية أو من خلال تمجيده الرذيلة، بتجميله القبح وتقبيحه الجمال، بدواعي الجدّة والتميز، والحرية والانفتاح، ومحاولة تزييف الحقائق أو التحريف لقيمها الإلهية، وبالتالي عمله على هدم الثوابت الإسلامية والإنسانية على حد سواء).
إن تلك التقسيمات التي حدّدها «الظاهر» هي محور التوجهات الأدبيّة في عالم اليوم، ولا يغادر أي جنس أدبي وإبداعي تلك المحاور، ولنسأل أ الخلود لأدب الإلحاد أم للأدب الهادف؟ بالطبع رسالة الثقافة بناء القيّم والمُثل الإنسانية، فيما تسعى العولمة لهدمها بإشاعة والمجون وتحطيم المُثل الأخلاقية؟ بالطبع كل ذي لب يرجح الثقافة الهادفة التي تصنع الجمال بكل الأجناس الأدبيّة والفنيّة، أقولها وبكل أسف: أن بعض من الكتاب والأدباء يهرول مع الملحدين ويثيرون الأسئلة التافهة لإغواء من لا ركائز علميّة ومعرفيّة وعقليّة ولم تتكامل رؤاه فيزحزح قيم الإيمان عند الشباب لإشاعة الإنحراف ونشر الضلالة. أعتقد جازماً إن الضوابط والحدود والأطر تحاول بناء النسق المعرفي بأنساغ الإلتزام وبالتالي هي من يبني الإنسان. فتلك الأنساق هي القادرة على كبح جماح الشذوذ والسلوكيات المرفوضة التي تبثها منظومة الإلحاد، فالعلاقة بين الأخلاق والأدب أراها لصالح البناء الإنساني وليس لنسف القيّم الأخلاقيّة، فالأدب ليس لهو بل رسالة جادة في نشر الجمال الروحي والفكري والعرفاني.
يذكر المبدع طالب عباس الظاهر أحاديث للنبي محمد العظيم (ص) ومقولات للائمة الأقداس (ع)، فعن الصادق (ع) «ان الأدب قد لا يكون علماً، ولكن لا علم يخلو من أدب»، «إن الأدب هو لباس العلم والفكر الذي يقربهما من فهم السامع والقارئ». ويعرج المؤلف على الأدب الحسيني وضرورات الانفتاح لِيفصل للمتلقي والقارئ هذا الباب بشكل دقيق كل ما يتعلق بـ(الأدب الحسيني) ص 41: (.والواجب يحتمُّ علينا أن ننفتح في الرؤية، ونتوسع في الخوض في مفهوم أدب الطف، وليس تضييقه، من خلال إعادة التناول المتكرر لأحداث معركة كربلاء ووقائعها، وتسجيلها بشكل مباشر، ومن ثم الدعوة إلى إلاستلهام من قيمها الإلهية).
في هذا التناول بالصفحات الأخرى لموضوعات جادة ورصينة وهادفة في القسم الثاني لأطروحات الكاتب عن موضوعات ذات صلة باللغة، وطرائق التوظيف الأدبي، والإعلامي، وموضوعات أخرى تتعلق بشطر القسم الأول من الكتاب بأبعاد ترتبط باللغة والتوظيف الفني، إشكالية التلقي، وخطر الأساليب الحديثة في الترويج الثقافي، كما في كتابه المهم (عاشوراء.. بطولة القيم قبل السيف).
الكتابان صادران عن الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة شعبة النشر ـ وحدة التأليف، وكلاهما من 100 صفحة من القطع المتوسط ـ 2015. قراءة جماليّة وسياحة أدبيّة ممتعة بمقالات تنماز بعطر الولاء الحسيني بموضوعات تتصل بسمفونية الخلود الحسينيّ، والصرخة المدويّة بالحق لرفض الباطل، صرخة الإصلاح، ونداء التوحيد الخالص، مقالات بعنوان (رؤى حسينية دامية من وحي كربلاء، اخلع غفلتك على اعتابها حذراً، نداءات العطش، خفق الأجنحة، لاء الحسين ومآذن كربلاء، عاشوراء بطولة القيم قبل السيف ـ من عتبة هذا العنوان ـ اتخذ إسماً للكتاب)، وعناوين أخرى برع المؤلف بها ليدوّن تصوراته ورؤاه الجمالية بلغة أدبية شيقة ومدهشة تنساب كغدير ماء رِقراق لتخوض بمعنى الطف وتلك التضحيات بـ23 مقالاً جسدت بطولة أبطال كربلاء من أولاد الحسين وأصحابه والعقيلة زينب من الشيخ الكبير إلى الطفل الرضيع وهم يُخلّدون في الوجدان الشعبي والمخيال الإنساني والذاكرة البشرية كأسمى ملحمة بتأريخ البشرية. موضوعات كُتبت بلغة عميقة وبعناية فائقة، مجتزأ من ص 71 كف العباس وخلود المعنى «لو قُيّض لأحد أن يكنّى الجود.. لكانت كنيته أبا الفضل العباس» (ان قوانين الطبيعة ونواميس الوجود، وسلطة أحكامها الصارمة، ماضية في الأشياء والأحداث شئنا ذلك أم أبينا، منذ بدء الخلق حتى يومنا هذا، وإلى ما خطَّت مشيئة الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ من بقاء الوجود بمقتضى حكمته). لقد جسد «المؤلف» بتلك المقالات رؤاه الأدبية بإتقان، موضحاً دور الأدب الهادف والثقافة الجادة المستلَّة من أدب الطف لبناء الشخصية الإنسانية. الاديب الملتزم طالب الظاهر عملت معه بمجلة المسرح الحسيني من التاسيس وكذلك بمجلة الأحرار في العتبة الحسينية يجسّد ما يكتبه بأخلاقه، اي تطابق المبادئ مع الواقع وهذا يحسب للأديب الذي إتّخذ من الإمام الحسين الشهيد قدوة بعمله ووعيه وقلمه.



