النسخة الرقميةثقافية

مع الناقد السوري أحمد علي هلال

تكتبها من سوريا: جيهان رافع

أثناء البحث عن الذات وعن لغة تنقذ الثقافة من السقوط أكثر، نجد من يجمع قطع النور و مرايا المحابر المضيئة ليضعهما على جبهة الشمس لاغياً عتمة الغاية والوسيلة. النقد حالة يثبّت بها الناقد دهشة اللغة وسعة فضاءاتها، وهذا ما أجاد اتقانه الناقد الفلسطيني السوري الأستاذ أحمد علي هلال:

* ماذا تعني لك البداية من عين الحاضر؟
ـ البداية عتبة ضرورية برغم صعوبتها وما يصاحبها من عثرات أحياناً، لكنها تفتح الأفق للتجربة، للتسع بها تالياً، والبداية بهذا المعنى هي ثقافة إذ إن الكثيرين يتعلمون منها غير درس وغير مأثرة، وأجدها من عين الحاضر مثل افتتاحيات القصائد أو استهلال الروايات، أو الذهاب في نزهة إلى غابة كثيفة الشجر، لكن الفرق هنا أنني أدرك أن رحلتي تنطوي على مغامرة سواء أكانت محسوبة أم غير محسوبة، إذن لا بدِّ من البداية لكل الأشياء بصرف النظر عما تأول إليه من نتائج بعينها.
* كيف تقرأ هوية الشاعر؟ وما الذي يميزه؟ وماذا يعني لك النقد؟
ـ أتعرف الشاعر في ثقافته من خلال نصه المُبدع، وهذا يأخذني إلى فحص مرجعياته القرائية التي أرجو أن تكون ناضجة بما يكفي ليتمكن من تشكيل وعيه الشعري، ووعيه بماهية الشعر، الأمر الذي يقف بنا عند مسألة التراكم المعرفي الذي يشكّل بدوره هوية للشاعر، ليست هوية ناجزة وإنما تتشكل باستمرار تبعاً لصيروراته الإبداعية، وبهذا المعنى فإن النقد بوصفه فعالية إجرائية تقرأ النص ظاهرة وبنية معرفية ولغوية، دوره يتكثف في الكشف والمقاربة وليس ادعاء تصدير الأحكام الجاهزة، لأن طابع النقد معياري بامتياز.
* ماذا يقدم المنبر المحلي للشاعر؟
ـ أي منبر للشاعر هو تجربة أولى وثانية إلى مالا نهاية، ومن خلاله يمتحن قدراته الأدائية ويرى صورته في مرآته كمبدع يختبر أشكال الحضور، حضوره كمبدع اللاحق على أي حضور، وأرى بأن المنابر المحلية وأن تفاوتت في استقبال المبدعين، فما زالت هي حاجة أساسية لهم ليعبروا إلى ضفاف إبداعهم، وليحققوا فرادتهم وأن يلتقطوا أصواتهم الخاصة في مناخ حواري تتعدد فيه المعرفة، وتلتقي فيه الذوائق على اختلافها.
* كيف تقيّم القراءة في ظل الحرب وماذا قدمت الأزمة السورية لنتاج الأدباء؟
ـ في هذا السؤال المركب ينبغي الإجابة بدقة محسوبة، ولا سيما أن أي إجابة عمومية لا تمتلك رصيداً من الموضوعية لأن القراءة سواء أكانت زمن الحرب، أم في زمن السلم، هي ذاتها مع فارق خصوصيتها في زمن الحرب وما يمكنه أن تؤديه من حوافز إضافية للوعي، وخصوصيتها هنا أي في أنها تكشف لنا الفارق النوعي فيما يجب أن نعرفه بالضبط، وأن نتعرفه بشكل معرفي في محاولات الارتقاء بالوعي وتركيز الفهم بما يجري بشكل أوضح، لكن ذلك لا يأتي مصادفة وتبريراً لحالات نفسية تتسم برفع الحالة الإيجابية بل أكثر من ذلك هي القراءة المؤسسة على ما سبقها، لكنها الدالة في زمن الحرب، أي زمن المقاومة الثقافية وتعبيراتها في الإبداع، وبصدد الشطر الثاني من السؤال، أميل هنا الى القول بدقة إنها الحرب الكونية على سورية، وهذا القول ليس بديلاً عن الأزمة، وإنما تدقيقاً في مصطلح فضفاض، والحقيقة أن الحرب لا يمكن لعاقلين أن يختلفا على أنها قدمت بمعطياتها وأحداثها ومحكايتها الكثير، للكتاب والمبدعين والمثقفين، أي أنها وفرت لهم مادة واقعية ليشتقوا منها معنى الحياة انطلاقاً من المآسي والحكايات النبيلة التي يمور بها (مجتمع الحرب) كما نتائجها المجتمعية التي لا تُحد، لكن المهم هنا كيف تكون هذه الكتابة، وكيف تكون أشكالها، وكيف تتعدد لنظفر بثقافة حقيقية تعني الوعي أولاً، ومن ثم تعني الإنسان، وبالمحصلة هي وعي الإنسان لما يحيط به من تحديات وما يساهم به هو من وعي يرتقي بمجتمعه ويحرر المعنى من حرب على الثقافة والأرض والذاكرة والإنسان، إذن كيف نشتق لذلك كله المعادل الإبداعي بمستوياته الموضوعية والجمالية والواقعية، سؤال الإبداع هنا هو سؤال الاستحقاق الكبير أبعد من ردود فعل عاطفية، وخطابات عاطفية سريعة العطب، وصولاً إلى ما أعنيه بخطاب الرؤيا، التي تعني البناء، بناء الإنسان وتثقيف روحه، وتعزيز بصيرته بالواقع، وهذا برأيي ما يشكل تحدياً لكل من تنكب الإبداع باختلاف فنونه، وما قد يسفر عنه من رؤى جديدة تثري الروح، وتساهم في فهم جدليات الحياة والموت وسوى ذلك، ومما وقر في الوعي الجمعي الإنساني أن أدبيات الحرب أعادت فهم الكثير مما جرى ويجري وسوف يجري، وفي عيون الأدب كثيراً ما وقفنا أمام روائع تولستوي وأندريه مارلو ونكولاي أوسترافسكي صاحب (كيف سقين الفولاذ) على سبيل المثال.
* هل الانتشار من خارج الوطن يحقق أهداف الكاتب؟
ـ من الطبيعي جداً أن يطمح مطلق كاتب أو أديب، إلى الانتشار خارج حدوده الإقليمية، وذلك لأهداف حوارية ونبيلة، إذ تتراسل المعرفة وينتقل الابداع عبر غير لغة إلى العالم، ذلك هدف بعيد، لكن على الكاتب المبدع أن يحقق وجوده في بلده الأصلي وهنا يصبح عالمياً بمعنى ما كما أشار إلى ذلك يوماً الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، ودون تجاوز خصوصية الكاتب وصولاً إلى حلم العالمية الذي يساور الكثيرين، وهنا يجب أن ترتبط الأهداف الكبرى بالأهداف الصغرى، ارتباطاً تكاملياً حتى تصبح في استراتيجيات الإبداع، العلاقة بين المبدعين على اختلاف أمكنتهم عابرة للغلة والجغرافيا.
* من الأصدقاء الحقيقيون للأديب بشكل عام؟
ـ بعيداً عن الصداقات التقليدية بالمعنى التبسيطي للكلمة، يشكل العالم صديقاً للكاتب بوصفه الآخر الذي ينهل منه أفكاره وتأملاته الخاصة، وهذا العالم الذي يتعدد بدءاً من قلمه وأوراقه، إلى خياله وصولاً إلى القارئ بتعدد مستويات هذا القارئ من الافتراضي إلى المثالي إلى العمومي، إلى القارئ الكاتب ذاته، إذ لا بدَّ في هذا السياق من أن تقوم صداقة حقيقية بين الكاتب وأشياؤه أولاً تقوم على الألفة، ومن ثم بين الكاتب والعالم بكل مكوناته، حتى يستطيع أن يقيم معهم حواره، فالكتابة فعل حوار قبل كل شيء، وصداقة الكاتب ربما ترتبط في مراحل لاحقة برموز ثقافية بعينها بوصفها (أساتذة) وسترتبط أيضاً بمعلمين من خارج فضاءاته، أي كتاباً كباراً بوصفهم بناة الروح، يحتاج الأديب إذن إلى قوة المثال ليظل في حراكه الإبداعي أكثر دينامية، لكن ذلك لا يمنع من أن تفارق ذائقته ما استقرت عندها، ليبدع هو صداقته مع ذاته الإبداعية إن جاز التعبير.
* تحدث عن معاناة الشاعر والكاتب والناقد في سورية والوطن العربي؟
ـ هي معاناة إن شئنا القول مركبة بامتياز، وأكثر ما تحيلنا إليه هو المعنى الثقافي، فثمة من يعتقد بالأزمة، وبفكر الأزمة لا سيما بين الشاعر والناقد، أو المبدع والناقد، وفي خصوصية التواصل بينهما، لكنني أرى بأن المسألة في جوهرها هي مسألة ثقافية، إذ ما لم يتكامل المبدع بالناقد وبشكل خلاق، لا ننتج ثقافة متجددة، والحديث عن معاناة الشاعر له دلالات نفسية ومجتمعية وإبداعية، كثافتها في توسل الشاعر التقاط صوته الخاص في زحمة الأصوات السابقة على صوته، أو العابرة لها، هي معاناة في اجتراح قول إبداعي جديد فيه من المغايرة ما يحرر المعنى في المكابدة والتجربة والإخلاص للتجربة، أما معاناة الناقد بطبيعتها المعرفية وفي سبيل إخلاصها لنظرية المعرفة أولاً، فهي تحيلنا إلى الكثير من محاولات النقاد البحث عن المختلف، وليس عن المؤتلف، لذا فعلى الناقد الحق أن يقرأ كل شيء قدر الإمكان، ليقف على حقائق الإبداع وتجلياته، وليصطفي بعد ذلك قوله النقدي الذي يفصل بين النص ومبدعه، فصلاً إجرائياً لينهض خطابه النقدي على موضوعية بعينها، طبعاً دون أن يتجاوز أدواته وإجهزته المفهومية واستيعابه للنظريات النقدية والأفكار والمصطلحات، لا أن يستنبتها أو يعيد انتاجها، بقدر ما يستطيع توظيفها بشكل مبدع وخلاق، وهذا يستدعي ثقافة الناقد الموسوعية، والتي تتغذى بكل تجربة ممكنة على مستوى الإبداع وعلى مستوى النقد.
* وقفة عطر مع استقراء بنظرة الناقد والأديب للواقع الثقافي القادم.
ـ يمكن للبعض أن ينعت متشككاً واقعنا الثقافي اليوم، بالقول: إنه ليس بخير، ويمكن للبعض الآخر أن يرى من خلاله غير أفق للتغيير، ومنصة للأحلام، ومهاداً جديداً للانطلاق من أرض جديدة إلى المستقبل، أقول هنا أن ثمة ما يرهص حقاً في واقعنا الثقافي على الرغم الضبابية المفهومية للواقع الثقافي، وهذا الإرهاصات يجب أن تنشغل للتأسيس من جديد لنهضة في الواقع الثقافي على مستوى ما يمكن تسميته بأفول الحساسيات القديمة، لتحل محلها الحساسية الجديدة، والتي تمثلها أجيال المبدعين الجدد، لكن ذلك ليس على حساب تفكيك مفهومي الأصالة والحداثة، بل الانفتاح بهما أكثر، فما يتطلبه الواقع الثقافي القادم هو الانشغال بحضور المبدعين الحقيقيين، وإقصاء المدعين حتى تتضح صورة الثقافة معافاة، وهذه المسألة لا تتم كيفما اتفق، بل تحتاج إلى مراكمة واصطفاء، من خلال استعادة أدوار العقل الناقد وفكر النقد، بعيداً عن أزماته وإنكفائه داخل أسوار النظريات فحسب، بل الانفتاح على الحياة بتجلياتها، وهذا يتصل بمعنى المعاصرة التي لا تقطع الوشائج مع الموروث، بل تعيد انتاجه برؤيا وبرؤية جديدة تعينه على فحص الأنساق والمضمرات المعرفية، التي تتخلق في عالم مختلف، وبالتالي فإن الواقع الثقافي لا ينفصل عن مكونات مجتمعية أخرى، ومن طبيعة ثقافية أيضاً، بل تتكامل معها بوصف الثقافة هي المقدمة الضرورية للانطلاق ومن خلال ميادينها المختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى