ماذا أصنع لكي أستَدِرّ رحمة الله الواسعة؟
تتجلى رحمة الله تعالى في أوقات أكثر من أوقات أخرى. فإن توخّى الإنسان بعض الدقة في مثل هذه الأوقات ازداد إدراكه لرحمة الله. نحن غالباً ما ندير ظهورنا بعد الدعاء والعبادة بمجرد أن نحصل على مُرادنا أو ننال مغفرة ربنا ونكتفي بهذا المقدار والحال أنّ علينا أن نتحرى الدقة لنرى أنه ما ألَذَّ رحمة الله الكامنة وراء هذه الحاجة!أهم منفعة نكسبها من الله هي رحمته تعالى ذاتُها. إن الله ليعتب على أولئك الذين يدعونه مخلصين إذا ما داهمتهم العواصف وسط البحر ثم يشركون إذا ما وصلوا إلى بر الأمان: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون» (العنكبوت/65).
معظم دعواتنا ـ مع الأسف ـ مشوبة بسوء الظن بالله مخافةَ أن لا يقضي حاجاتنا في حين أن الأحاديث الشريفة تحثّ الداعي على أن يتيقّن، بمجرّد شروعه بالدعاء، من أن حاجته ستُقضى: «فَإِذَا دَعَوْتَ فَأَقْبِلْ بِقَلْبِكَ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ بِالإِجَابَة»، و: «إِذَا دَعَوْتَ، فَظُنَّ أَنَّ حَاجَتَكَ بِالْبَاب» (الكافي/ ج2/ ص473)، وكأنّ المراد من الدعاء هو أنك تقوم ـ بعد الإجابة ـ بشكر الله تعالى وتذوّقِ رحمتِه، فقضاء الحاجة هو أساساً قضية ثانوية بالنسبة لك. وإذا دقّقتَ لشاهدتَ رحمة الله كامنةً وراء حاجاتك التي تطلبها منه ولذُقتَ لذّتَها..فقد جاء في المناجاة الشعبانية: «إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاعِ إِلَيْك»، وكمال الانقطاع يعني أنْ يمَلَّ الإنسان باقي الخَلْق، وهذا لا يحصل إلا إذا استشعر منتهى اللذة من رحمة الله وأحسّ دفءَ محبّته. بل إنّ مجرّد كون «الله رحيماً» يكفي لعزوف المرء عن طلب أي شيء آخر! فما إن تعرف أنّ الله رحيم فإنك لا تفارقه، وسوف تتّجه نحو «كمال الانقطاع»وبالطبع قد يحصل «الانقطاع» أحياناً إذا وجد الإنسان نفسه وسط الشدائد والبلايا، كما لو كان على متن سفينة تتقاذفها الأمواج العاتية، لكنه يشرك من جديد ما إن تصل السفينة إلى ساحل الأمان.



