النسخة الرقمية

المواجهات التي ستجري في عصر الظهور

السيد عباس نورالدين
عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إنّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممّا استقبله رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهّال الجاهلية. قلت: وكيف ذاك؟ قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة؛ وإنّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوّل عليه كتاب الله، يحتجّ عليه به؛ ثمّ قال: أما والله ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقرّ..تبيّن هذه الرواية المعتبرة أنّ للإمام المهديّ (عليه السلام) جهادا كبيرا من نوعٍ آخر هو غير الجهاد بالسيف والسلاح والقتال. وخلافًا لما هو شائع من أنّ الإمام سيخرج بعد اكتمال عدد الأنصار الحقيقيّين، حيث يقوم بمجموعة من الأعمال الحربية، التي تؤدّي إلى كسر شوكة المستبدّين والظالمين والطغاة المتجبّرين وبسط العدالة والقسط في العالم، فإنّ الإمام سيخوض جهادا مريرا في ميادين الفكر، وسوف يكون جهاده هذا أشدّ ممّا واجهه رسول الله (صلى الله عليه وآله)!..ولئن كان النبيّ الأكرم يذمّ آلهة العرب، التي يعبدونها من دون الله، ويستحقر أصنامهم، فلأنّها كانت تستحق ذلك، وهي حجارة وخشب منحوتة، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها بول الكلاب والذئاب. أمّا كتاب الله المجيد، فهو أقدس وأسمى ما يمكن أن يكون من بين سائر المقدّسات البشرية والسماوية. لهذا، فإنّ المواجهة هنا ستكون دقيقة ومعقّدة للغاية، وسوف يستغل المؤوّلون والمنحرفون كل ما يمكن لأجل إظهار الإمام المهديّ وكأنّه يتعرّض للقرآن من أجل إسقاطه وتفريق الناس عنه. سوف يسعى هؤلاء إلى جعل المواجهة بين الإمام المهديّ والقرآن، لكي يجعلوا عمل الإمام مستحيلًا؛ إلا إنّ هذا الإمام العظيم سيقلب الطاولة عليهم في النهاية، ويكشف انحرافاتهم في النهج والقول والعقيدة..وهذا ما يتطلّب حركة فكرية علمية عميقة، نظرًا إلى رسوخ قضية القرآن بين المسلمين وانتشار أمره، كما يظهر من الحديث حيث نجد «الكل» يتأوّل عليه كتاب الله.
لن يكون عصر ظهور الإمام وجهاده عصرا بعيدا عن القرآن، بل يبدو أنّه عصر انتشار الاستخدام القرآنيّ لتحقيق المآرب والغايات ودعم الأفكار والأطروحات لهذا، سيكون استعمال القرآن لمواجهة الإمام، سلاحا أساسيّا لمواجهة الحقّ. وتشير هذه الرواية أيضا إلى أنّ هذه المواجهة ستدور حول محور حركة الإمام نفسه؛ ممّا يعني أنّ حركة التأويل والتفسير الأعوج قد أدّت إلى انحراف هذه المجتمعات عن أهداف الإمام ونهجه وطبيعة دعوته، التي تدور بشكل أساس حول العدالة. وهذا ما تريد الرواية المذكورة أن تلمّح إليه في الإشارة إلى ما سينجزه الإمام في النهاية، من إدخال عدله إلى جوف بيوتهم كما يدخل الحر والبرد..وينبغي أن نتذكّر أنّ سلاح الإمام الأوّل لن يكون مغايرا لسلاح جدّه الأكرم. ولو أراد الله أن ينصر أولياءه بالقوى الخارقة والقدرات الطبيعية الهائلة، لكان حريًّا أن ينصر نبيّه وحبيبه محمد (صلى الله عليه وآله) بذلك؛ لكنّ مشيئة الله اقتضت أن يكون الإيمان والطاعة والسعي أفعالًا اختيارية قائمة على الوعي والمعرفة، وهي أدوات النصرة الواقعية للمشروع الإلهيّ الكبير، الذي يقوم على الناس والجماهير والشعوب.
إنّ معركة الفكر هي أكبر المعارك التي سيخوضها الإمام، والتي ستبدأ بشكلٍ جليّ داخل المجتمعات المسلمة، كون المسلمين يمثّلون النّواة الأساسية والموقعية المركزية لنجاح التجربة الرسالية، عبر إقامة كتاب الله وتطبيقه في الحياة الاجتماعية والسياسية. وفي معركة الفكر، لا مكان للسلاح والقتل والقتال والحرب والدماء، بل هي محاورات ومناظرات وبرامج فكريّة وأعمال تربويّة تعليميّة، تتطلّب نصرة من نوعٍ آخر، وهي النصرة بهذه الأدوات التي يجب أن نعمل على تهيئتها وإعدادها والاستعداد لها انطلاقًا من فهم القرآن وإدراك نهجه الأصيل ومعرفة كل أشكال التأويلات والاستخدامات الباطلة لآياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى