النسخة الرقميةثقافية

الشاعر المغربي جمال بلخضر

* كيف تقرأ هوية الشاعر؟ وما الذي يميزه؟
ـ الشاعر كلمة ساحرة جذابة، ينتظر منها دوما أن تكون تاجا للمعاني الجميلة والصور البلاغية واللوحات الفينة. الشاعر خلاصة تجارب شخصية فريدة وفردية في عالم المعاناة من أي جهة كانت، هو حقيقة مطلقة، صفات جوهرية، تميز ذات بشرية. ترى في الوجود مكنونات تستعصى معانيها عن انسان عادي، الشاعر ذاتٌ تفاعلية وقصيدة تحمل قضية تحكي أوديسة متلقي، يجد فيها نفسه بأسلوب يبهره هو.
عبر تكويني الموسيقي، أشبّه الشاعر بشاعرة الكمان، وهي أرق أوتاره، تُسمع نوتات، تتساوى ذبذباتها النغمية مع شاعرات كمانات أخرى في نفس الأوكسترا، لكن هي تميّزُ كل آلة عن شبيهاتها.
* ماذا يقدم المنبر المحلي للشاعر؟
ـ إن أفضل ما يمكن للمنبر المحلي أن يقدمه للشاعر هو تعدد الملتقيات الشعرية و الأدبية، تتيح الفرصة له من أن يقدم جديده، فيشعر المبدع أنه فعلاً محاط برعاية الوجود والتفاعل والاحتكاك، وليس كبعض أزهار الصحراء، تنمو وتزهر وتموت في أسبوع واحد، وهذا لا يتأتى إلا بتهيؤ فضاء سليم لنقد بناء، إذ لا يمكن لملكة الشعر أن تترعرع في صحراء قاحلة من عدم الاهتمام. لكن أقول وأؤكد أن النقد يجب أن يكون على أسس علمية بناءة، لأن النقد الهدّام مثل الفطر، سينتشر فوق لحاء السنديان، لكن لن يطول أبدا شموخه. إنْ لم يكن النقد في صالح تنامي الحركة الأدبية، فهو تطفل على الإبداع، وأفضل النقد ما كان ممارسه مبدعا في صنفه، فيذوق شهدَ الإبداع ووخزَ النقد في آن واحد، فالنقد يجب ان يكون فنا قائما بذاته، يعني يعتمد الموضوعية، إذ ممارسة الإبداع خارج إطار نظري معمق، هو استخفاف بالذوق العام، ولن يخرج النقد على هذه القاعدة.
* كيف تنظر للقارئ والرواية بعين الشاعر؟
ـ الرواية فن أدبي يتميز بسرد مطول يضع في الواجهة اشخاصاً وهميين في مسار مغامرات خيالية. ويقول المؤرخ والكاتب المغربي عبد الله العروي «القصة (أو الرواية) توجد في ذهن القارئ»، وبين المعنيين أو التعريفين من الضروري فنيا ألا نغفل دور الإيقاع في نجاح الرواية وتحبيبها للقارئ، تخلق عنده متعة دورية متزايدة الشدة حتى الاشباع الجمالي، وأقصد هنا إيقاع الأحداث كوعاء لظهور الشخصيات وتفاعلها، وهذا الإيقاع هو نفسه، بأوجه متعددة وحواس مختلفة، ما نجده في مختلف الفنون. ويميز كلا منها حسب تهييجه لهذه الحاسة أو تلك، والتشويق الذي يشد عين الناظر، أو أذن المستمع، أو ذهن القارئ، يبنى على ذكاء هذ الإيقاع، ويمقت الرتابة وعادية الموضوع. والشعر له خاصية الجمع، في صور بلاغية، مثلا تصور كوريغارفيا رقصة، معنى تحادي ألوان أشكال، صمت وصوت سمفونية، إحساس عذري بين عاشقين، معنى ومضة برق أم نغم زخات مطر، فمن أتقن سحر الإيقاع أتقن الرواية (أو أي قن آخر).
* هل الانتشار من خارج الوطن يحقق أهداف الكاتب؟
ـ لا أخفيك سرا إن قلت لك: إن تجربتي في النشر، ومن ثم في الانتشار، هي الآن تشق طريقها عبر أصدقاء لي، في المواقع الاجتماعية ، جلهم سوريون، مشكورين ألف شكر، هم أهل رقي وذوق، ويعطون للكلمة الهادفة البديعة حقها في التذوق. حقيقة لم أرَ شعبا قهر الحرب المفتعلة بمستواه الثقافي والحضاري مثل شعب سوريا، فكلما لعلعت الأسلحة والمعاناة، زاد نور الكلمة واتخذت بعدا أكبر في فضاء الأدب وشتى الفنون. والدليل على ذلك وثيرة الملتقيات الثقافية التي شهدتا مدن القطر طيلة الأزمة.
* من الأصدقاء الحقيقيون للأديب بشكل عام؟
ـ هؤلاء هم مصدر إلهام للأديب عموما والشاعر خصوصا، كم من قصيدة كُتبتْ كان أصلها وبذرتها، حديثا إلى صديق أو صديقة، تصدر منه كلمة في موقف معين، فتعطي قصيدة بأكملها، وكأنك تحولين تجربة حية إلى قصيدة حية بكل معانيها وإيقاعها. الأصدقاء الحقيقيون هم من يتعامل مع كل جديدي بموضوعية ونكران ذات.
هناك قاعدة أساسية في التعامل مع الأديب والفنان عموما «لا مجاملة في الفن»، فلا شيء يقضي على استمرار الفنان عموما مثل المحاباة و المجاملة.
* تحدث عن معاناة الشاعر في الوطن العربي.
ـ الشاعر في الوطن العربي يعاني على عدة أصعدة، أولها «طغيان» العامية على الفصحى، فالعامية لا تعلم أي شيء، ولا تمكن التفوق في أي شيء، وإن ظهرت ذات جمالية مقنعة بضوابط اللغة الفصحى وبمواقف غالبا سياسية أو فنية. أعرف أنني سأكون محل انتقاد لاذع بسبب هذا الموقف، لكن لا يصح إلا الصحيح، فالأمة التي تريد الريادة، تحافظ على لغتها، في شكلها السامي والراقي، تدون الإحساس الإنساني ، بمفردات جميلة وتعابير مقننة. وعربيتنا بحر في هذا، كلما جفّ وجدنا نفسنا عاجزين على التعبير بما هو أجمل. فاللغة السلمية وعاء والنحو ضابط وإتقانهما ضامن لنجاح مبهر في الأدب والشعر لما هو جدير بالتوثيق والوصف، وتهذيب الشخص.
ثانيها، أشباه المثقفين، فهؤلاء يقرأون الشعر بجهل، فكما يجب أن تتوفر في الشاعر شروط التكوين المعمق في شتى الميادين، ولا سيما اللغة ومدارس الرسم وقوانينه ونظريات الموسيقا والرقص والتصوير.. الخ، يستحسن في المثقف المتتبع أن يكون ناهلا من عدة مجالات ثقافية، وهذا مستوى جيد في لغتها ومعاني ألفاظها، حتى تتكون عنده نظرة ذائقية ماتعة سليمة، فيصح حكمه الجمالي عما يبدعه الشاعر.
طلب هوية
سيدتي
ما أصعب هوس قواميسك
اسمك في لجاج اليم
حروفه لبْسُ أوار
صقيع ضمن عرق المحار
قزحي الشع
يحاول الهروب
من صدر الأوراق
شددت عنه عشرة أزرار
فزدتني تيها
كلما زاد بيننا سمك الستار
أعيد قراء عينيك
فلا يكشف عن لوعتي
إلا ظمأ ذاكرتي
جافة الوداجين
لما في صحرائك
من تلافيف رمل
تجذبني في صمت
إلى أحمق الأغوار
سيدتي
من الأسامي خذي
ما تشائين
ومن النعوت
ما ترضين
و اتركي لي فصل قدري
فإنه ليس اختياري
فد سئمت مسرحية
تلعبين فيها
كل الأدوار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى