النسخة الرقمية

الإمام المهدي «عجل الله فرجه الشريف» وتغيير العالم

السيد عباس نورالدين
في القرآن الكريم حقيقتان تبدوان للوهلة الأولى متعارضتين متضادّتين؛ الأولى: تبيّن أنّ الحياة لا يمكن أن تكون بلا فتنة، والثانية: تدعونا إلى القضاء على الفتنة في العالم كلّه..فذكر الله تعالى أنّ الفتنة تابعة لادّعاء الإيمان، وكأنّها شرط لاختبار إيمان الذين يقولون أنّهم مؤمنون، كما في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}..ليست الفتنة ضلالة، لكنّها امتحانٌ خاصّ يحتوي على الضلالة وعلى المغريات وعلى الدعوة إلى الفساد والانحراف. إنّها وضعية معيّنة يمكن أن يسقط فيها الإنسان، أمّا إذا استقام ونجح فسوف يزداد إيمانًا، لأنّ الله تعالى لا يختبر عباده ولا يبتليهم ولا يفتنهم لأجل تضييع إيمانهم..ولكن وجود الفتنة في الحياة ليس شرطًا وحيدًا لحفظ الإيمان وتقويته، لكنّها تكون كذلك حين تكون الأوضاع الاجتماعية على نحوٍ معيّن؛ وهذا النحو هو الذي يريد الله تعالى تبديله. وهذا ما يتحقّق ولأوّل مرّة على يد الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، كما جاء في حديثٍ عن محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام قول الله «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»؟ فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم، لكنهم يُقتلون حتى يوحَّد الله وحتى لا يكون شرك». [بحار الأنوار، ج52، ص 378].. إنّ المشكلة الكبرى التي تعاني منها البشرية اليوم هي الشرك والاعتقاد بوجود أسباب متعدّدة (مادّيّة وغيرها) للرزق والسعادة والقدرة وأمثالها؛ وهذا ما يتجلّى في الاعتقاد بالتأثير الحتميّ والمشيئة الغالبة للقوى الشيطانيّة الصغيرة والكبيرة، وما يؤدّي إلى خضوع عددٍ كبير من الناس لهذه القوى والعمل وفق إرادتها المخرّبة والهدامة. فحين ينتفي الشرك، لن يكون للظالمين أتباع يعتقدون بهم ويطبّقون مخطّطاتهم وبرامجهم ومؤسّساتهم. وإذا ضعف الظالمون خسروا وانقرضوا؛ وبانقراضهم وزوالهم، تزول عوامل الفتنة إلى الأبد.
في مجتمع الفتنة يُبتلى الناس في عقائدهم، لأنّهم يرون للكفّار والظالمين سطوة وتأثيراً في أرزاقهم وعلى مصيرهم (وإن كان هذا مجرّد وهم). لكن هذا الوهم هو أساس الفتنة. وحين يتخلّص الإنسان من الوهم لن يسقط في تلك الفتنة. وما سيتحقّق بفضل جهاد الإمام المهدي يمكن اختصاره بأنّه عليه السلام سيقضي على أسباب هذا الوهم ويهدم أركانه وبواعثه؛ ممّا يعني أنّه لن يبقى في العالم سوى حقيقة واحدة وستظهر هذه الحقيقة للعالمين، وهي التي أشارت تتمّة الآية إليها حيث يكون الدين كلّه لله..إذًا، نحن أمام تحوّلٍ نوعيّ في العالم، ممّا يعني أنّ موجبات الفتنة تزول تماما؛ لأنّه لن يكون حينها أي فائدة من ادّعاء الإيمان ولا قيمة للقول دون حقيقة.
أنّ ما سيتحقّق على يد هذا الإمام العظيم هو ظهور الإيمان الواقعيّ وانتفاء أي إمكانية للتزوير والخداع، كما حصل في البدايات، حيث سمح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمرور هذا الخداع لحاجة إليه، كما جاء في الحديث نفسه؛ ذلك لأنّ الإسلام في بداياته كان بحاجة إلى أولئك الذين يمكن أن ينصروا الدين، ومع ذلك لن يشمّوا رائحة الجنّة أبدًا. لكنّ التحوّل النوعي الذي يجري على صعيد الإيمان وثباته وقوّته وانتشاره، سيسلب المدّعين المخادعين الفارغين من الإيمان عنصر الحضور والفاعليّة في المجتمع، ويجعلهم منزويين غير قادرين على تغليف الشرك بظاهر الإيمان وتقديمه على طريقتهم. وهذا يعني أنّ الشرك لن يتحرّك ويعمل كما حصل سابقًا. فلا تبقى حاجة لتلك الفتنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى