النسخة الرقميةثقافية

متعلقات الومضة في كتاب «رؤى الحروف» للأديب الأردني سامر المعاني

عبد الرحيم جداية ـ الأردن

الومضة الأدبية فن قديم متجدد مع سرعة التغير في الحياة والقلق والتوتر الذي ساهم في اشتقاق صورة الومضة الأدبية من النص القصصي الطويل والروائي.وقد ساعدت التكنولوجيا في تطور الومضة الأدبية من خلال الرسائل النصية السريعة المقتضبة ذات التكثيف والاقتصاد اللغوي مقابل التعبير الفني العالي وحذف الزوائد والحشو من بناء النص النثري، لتصبح المفردة أكثر تعبيرا في سياق الومضة الأدبية.

ولا ننسى القيمة التعبيرية للتراكيب الحديثة وحروف الجر وأثرها في تطور فن الومضة أو ما يسمى بالقصة القصيرة جدا، وكذلك أدب الجملة وما ذهب إليه الأسبقون من التوقيعات والشطحات والتنزيهات عند المتصوفة، إذ تأتي كلها للإعراب والإفصاح والتبيين والإيجاز وهذا ما قالته العرب «الفصاحة في الإيجاز».
خاض سامر المعاني تجربته الأدبية في التكثيف والاقتصاد اللغوي، وصولا إلى الإيجاز في كتابه « رؤى الحروف» الصادر عن منشورات مكتبة الطلبة الجامعية 2015م ، فالمتمعن في كتاب «رؤى الحروف» يجد الكثير من المتعلقات النصية التي ساهمت في سبك الومضة وبنائها وإعادة تشكيلها بأساليب ومتعلقات عدة أهمها:
أولا: الإيقاع الشعري
حملت العديد من الومضات والأقوال والنصوص النثرية إيقاعها الشعري في ثنايا النصوص النثرية، مما يضيف جمالية الإيقاع الشعري إلى النص النثري الذي يظهر جليا في القراءة المسموعة أكثر منه في القراءة الصامتة، ومثال ذلك قوله في ص (119): «هي رقصة العيون ارتعشت خجلاً.. من بوح شاعر كتب في الأحداق.. ليس بعد الهوى ما هو أشهى مذاق».حيث تبرز مفردتا الأحداق ومذاق الإيقاع الشعري الخارجي للقصيّة باستثمار القوافي عند الفاصلة الشعرية، إضافة إلى الإيقاع الداخلي في العديد من نصوصه ويأتي هذا النص المقتطع تحت عنوان (حوار مع شاعرة) مما يدلل على تلك الروح الشاعرية في كتاب «رؤى الحروف».
ثانيا: الحوار
إستثمر القاص سامر المعاني الحوار القصصي كأحد متعلقات الومضة الأدبية في مستهل كتابه موضّحا ذلك في قوله: «قال لها ذات لقاء: أنا أكبرك بالحب بثلاثة أعوام، فأجابته : قبل ثلاثة أعوام كان قد مضى على حبي ألف حلم».
هذا الحوار الذي يستهل به كتابه يؤثث إلى متعلقات أخرى في الومضة الأدبية باستثمار الدهشة والمفارقة والتكثيف، ووضع المفردة في مكانها الصحيح لتكون أكثر تعبيرا في موقعها، ليتكامل الإيقاع الشعري مع الحوار في بناء علاقة تكاملية بين متعلقات الومضة في «رؤى الحروف».
ثالثا: التورية
حيث سعى سامر المعاني في توظيف فن التورية الذي يعطي الأدب نكهة جديدة بعيدا عن المباشرة، بقليل من الشفافية التي لا تصف تماما لكنها تخفي شيئا مما يؤشر إلى طبيعة العلاقة ربما بإغماضة عين كقول الشاعر على لسان حبيبته: «إن جئتنا فامنح الطرف غيرنا …. حتى يظنوا الهوى حيث تنظر».
ويقول سامر المعاني موظفا التورية في ص (9) بقوله: «لا تقدم يدها لتصافحني، تخاف أن يشار إليها بالحب.. رغم أنها تصافح الجميع».
رابعا: الأنسنة
حيث تعدُّ من متعلقات الومضة المهمة جدا في التكثيف وإعادة التصوير على لسان الجماد والحيوان والنبات، ليس كما جاء في كليلة ودمنة أو في ألف ليلة وليلة، بل جاءت الأنسنة متوافقة مع الأدب الحديث وأهتم المعاني بتوظيفها بكفاءة عالية حيث جسّم مشاعر وأحاسيس فنجان القهوة الذي يرسم له ابتسامتها الشهية ليأتي قوله: «من فرط أحلامي حتى فنجان القهوة كل صباح يرسم ابتسامتك الشهية».
فالمتعلقات الأربعة في الومضة الأدبية جاءت في «رؤى الحروف» من إيقاع شعري وحوار وتورية وأنسنة أدوات فنية بيد القاص سامر المعاني مشكلا قيمة هذه المتعلقات في بناء الومضة وتكثيفها ودلالاتها.
خامسا: المصدر والإنعكاس
هذه المتعلقة الفنية قدمت حوارا فنيا بين المشهد والمشهد وحوارا آخر بين الأصل والانعكاس، إذ يقدم لنا كتاب «رؤى الحروف» نصا يحمل المتعلقات أدوات للمقارنة بين زرقة البحر وزرقة السماء، والدارس لفيزياء اللون يجد أن زرقة السماء قد تشكلت نتيجة اختراق الضوء لطبقة الهواء بكثافاتها المتعددة، أما زرقة البحر فهي انعكاس لزرقة السماء، ويأتي هذا في قوله: «العاشق لا ينظر إلى زرقة البحر بل يتأمل السماء التي وهبته هذا اللون».
سادسا: الحواس
تعدَّ متعلقات الحواس في الومضة الأدبية والنص الأدبي من إبداعات الفن الغربي في الرواية حيث تألق أرنست همنجواي في رائعته الشيخ والبحر إلى تقديم تفاصيل دقيقة لتلك الحواس، وهذه المتعلقة الأدبية (الحواس) تعدُّ من مظاهر الضعف في الأدب العربي بعامة حيث:
1- يقل وصف الأدباء الحواس ومسمياتها والتعبير عنها
2- الاهتمام بحاسة مثل البصر أو السمع وعدم الاهتمام بباقي الحواس إلا إذا جاءت بطريقة فنية مثل رواية العطر الذي استلهم حاسة الشم عند بطل الرواية
3- ضعف المقارنة بين الحواس، وهذا ما قدمه سامر المعاني في يوميات عاشق ص (13) بقوله:
« ألف قبلة باردة لا تشعل نار الهوى كما النظرة المتيمة».
كما أضاف سامر المعاني تعبيراً جميلاً عن متعلقة الحواس بقوله:
«أحاسيسك لا يمتلك أحد القدرة على أن يرويها مثلك»
سابعا: الواقع الحياتي
على الأدب بشكل عام أن ينهل من الواقع الحياتي ويعيد تشكيله بمتعلقات عدة حسب طبيعة النص وتجنيسه والومضة الأدبية من الفنون التي تعالج الواقع الحياتي مثل الهذيان بقوله: «لا ينام العشق ما دام بصحبة المحبوب حتى الهذيان».
ويعالج أيضا حالات العنفوان والعشق وما يتغير على الإنسان بسبب المؤثرات التي تشكل الإنسان وتعيد تشكيله مثل الحب إذ يقول: «الحب من طرف واحد يقتل عند البوح به».
ثامنا: الأحلام والذكريات
حيث تعيدنا الأحلام والذكريات إلى مصنفه الأول (أحلام الكرى) الذي قام بكليته على أحلام عدة شكلت أجواء الكتاب، وهذه الأحلام ارتكزت على بعض
ثامنا: الأحلام والذكريات
حيث تعيدنا الأحلام والذكريات إلى مصنفه الأول (أحلام الكرى) الذي قام بكليته على أحلام عدة شكلت أجواء الكتاب، وهذه الأحلام ارتكزت على بعض الذكريات والمواقف الحياتية والمتعلقات النصية للومضة ليعود في «رؤى الحروف» مقدما العديد من الرؤى التي أّوّلتها الذاكرة ومنها قوله على سبيل المثال: «طرب الذكريات نخب عاشق أسقمه جحود الأيام» ورغم ورود الأحلام والذكريات وتشكيلها متعلقات نصية للومضة في «رؤى الحروف» فهي لا تشكل امتدادا نصيا لكتاب (أحلام الكرى) بل تشكل امتدادا أدبيا يرتكز على واقع الحياة والطبيعة البشرية التي لا تخلو من الأحلام والذكريات في «رؤى الحروف» وقوله: « يكفي أن أشتم عبير نسائمك حتى استمر في أحلامي»
تاسعا: الحساب الزمني
إن مقومات تشكيل الرؤى في «رؤى الحروف» خاصة والكثير من الأدب بشكل عام تأتي بمشاركة الحرف والشعر والقص والموسيقا والرسم والرواية في تشكيل الرؤى كما يأتي الحلم والذاكرة مشكلا آخر للرؤى، حيث الحواس والشعور من مشكّلات الرؤى في الومضة الأدبية والنص الأدبي بشكل عام، إضافة إلى الرؤى الحسابية والبحث عن معادلة ظهرت في رؤى الوقت ص (25) باستخدام مفردات العمر، عمر الحب، وبعد الليل والاستدارة للخلف، وتعدد الفصول والأوقات كلها ساهمت في تشكيل الرؤى في كتاب «رؤى الحروف» ونستدل على ذلك بقوله: « كل الطقوس والفصول والأوقات لها نصيب هنا رغم أننا لم نلتقِ سوى لحظات» هذا الحساب الزمني أخذ دورا أساسا في تشكيل الرؤى في كتاب «رؤى الحروف».
عاشرا: التصوف
التصوف حالة يتجلى فيها الحضور والغياب، ولم يقتصر التصوف على المذاهب الإسلامية بل كان للمسيحية أسلوبها في التصوف كما البوذية وغيرها من الديانات، وقد تأتي مفردات التصوف نتيجة الحالة التي يعيشها المتصوف صاحب الطريقة إن كان من المريدين أو السالكين أو العارفين، وقد يأتي التصوف رؤى يعيشها القاص سامر المعاني في لحظات بين ثنايا كتاب «رؤى الحروف» التي ظهرت في ص (28) في ومضتين متتابعتين وغيرها من الومضات حيث نطوف في رؤى الحروف ونقدم للقارئ نموذجا على سبيل المثال ومن ذلك قوله: « تبتسم دوما حين تراه.. فكلما اشتاقت له يتجلى بالحضور» ولا يقتصر التصوف على المعرفة بل يتعداه إلى الصفاء حيث يقول ص (40): « من يصبو للمعرفة سيكون كالنبع يرتاده الجميع».
حادي عشر: المفارقة
وتعدُّ المفارقة من أهم المتعلقات النصية للومضة التي تشعل الدهشة مشكلة صورة فنية تقيم علاقة بين الأخضر والأصفر وعلاقة أخرى بين السنابل والصحراء وعلاقة ثالثة بين الاندهاش والمفارقة ومنها قوله على سبيل المثال: «وقصة السنابل اندهاش لمن ترعرع في الصحراء».
ثاني عشر: التجديد
إن التشكيل الفني والأدبي ليس مجرد تصوير للواقع بل هو إنتاج وإعادة إنتاج للصور الفنية والمعاني والتراكيب، معيدا تصوير الواقع بالقيم الإيجابية التي تبني المجتمع، ومحذرا من تلك القيم التي قد تساهم في انحدار المجتمعات، فالتجديد في الأدب ليس مجرد سبك للكلمات والمفردات والتراكيب بل هو: 1_ إنتاج جمالي: فالجمال لغة الحياة الأثيرة، وبالجمال تصفو النفوس وتكتمل العلاقات الاجتماعية الإنسانية ومن هذه الصور الجميلة في رؤى الحروف ما قدمه في ص(33) بقوله: «احذر من وقع الشك، فجراح القلب لا تلتئم بالخيوط». هذه الومضة بجمالياته وفنياتها ليست عابرة في كتاب رؤى الحروف، بل موثثة للرؤى الجمالية والنضج الفكري والحسي والشعوري عند القاص سامر المعاني إذ يؤثث الكتاب بمجموعة من الومضات الجميلة التي تحمل الذكريات حينا، والأحلام حينا والنقاء قيمة لنورد على سبيل المثال قوله: «أتوسد فراشي القديم، كي تبقى رائحة الأحلام نقية» 2_ النضج الفكري: الذي يتمثل في تلك المفاهيم القابلة للتأويل في كتاب رؤى الحروف ومنها قوله: «الأديب أخلاق سامية ليس فقط كلمات راقية» 3_ إشكالية: فالإشكاليات المنتجة للتصورات الذهنية ذات الأبعاد القادرة على تشكيل الجدليات الفلسفية هي حالة تجديدية في ربط علاقة جديدة نعيشها في حياتنا ونمارسها بكليتنا، ويدل على ذلك قوله: « ما يخيف في العتمة، عدم القدرة على الهروب» 4_ التراكيب: ومن هذه العلاقات التجديدية أيضا تلك المقارنة بين كفيف البصر في حالة الشؤم مقدما لنا تركيبا جديدا جميلا مدهشا «كفيف الأمل» بقوله: «كفيف العيون أقل شؤما من كفيف الأمل» هذا التركيب الجديد كفيف الأمل هو ما حدا بالقارئ إلى التقاط المفارقة وتحولها إلى دهشة. وقبل الختام فإن كتاب رؤى الحروف نابض بالعلاقات والجماليات ومثير للأسئلة وربما أهمها أبدية العشق والتي تستحق بعدا بحثيا معمقا في رؤى الحروف وتألق المشاعر التي تحتاج بعدا آخر في دراسة رؤى الحروف إضافة إلى العلاقة بين الأحاسيس والمشاعر ولا ننسى تلك الثورة على رؤية المجتمع عندما يعيد سامر المعاني رؤيته الخاصة للمجتمع في رؤى الحروف.
الختام:
هذا الكتاب الحامل للمفردة النثرية في إيقاعها الشعري يقودنا للسؤال عن مدى جمالية الإيقاع الشعري في رؤى الحروف لنسأل هل سامر المعاني في كتابته ناثرا أم شاعرا؟!. كل هذه الأسئلة تشدنا إلى جماليات متعددة وتقنيات أهمها من هو الغريب وتلك الرؤى الملونة التي مزج فيها بحثه عن الذات من أنا وماذا أريد ومن الأشقياء في الحب؟. سامر المعاني تألق في رؤى الحروف بشراكات أدبية مع أصدقائه الذين خصهم بمواطن الياسمين إلى عبد الرحيم جداية، ومواطن الروح إلى أيمن صياحين، وقصة عشق إلى يحيى غرايبة، وتراتيل الماء إلى عصام عبد العال الزعبي، ورسائل على أبواب الغروب إلى نصر أيوب، وقلب دافئ إلى إبراهيم ضيف. كما شكل علاقات أخرى استنبطها عندما جمع اللون والحرف بأيدي فنانين مبدعين أمثال الفنان التشكيلي (محمد شريف) الذي قدم له لوحة الغلاف وشراكة فنية مع الفنانة (مرام حسن) في لوحة الفراشة وانطلاقها إلى الحرية وعلاقة ثالثة مع الفنان التشكيلي (عبداللطيف نسور) إضافة إلى شراكة التدقيق اللغوي مع الأديب (عمران ارشيدات). سامر المعاني أديب جمعي لم تغلبه الذات بل حرضته إلى المزيد من العلاقات بإهدائه رؤى الحروف إلى شقيقيه العلامة (سلطان المعاني) و(جروان المعاني) إضافة إلى شراكات نقدية شكلها مع الأدباء (زكريا النوايسة) و (د.طي حتاملة) د.حربي المصري والشاعر محمد تركي حجازي الشاعرة د.إيمان العمري.
مما يقودنا إلى السؤال الأخير هل الشراكة رؤيا..؟ سأترك الإجابة عن هذا السؤال لكل من كان شريكا ومتلقيا لهذا الكتاب حيث تتحرك الرؤى في ذهن المتلقي متشكلة من الأبعاد صورا ذهنية رؤيوية شكلها سامر المعاني جمالا وألقا في رؤى الحروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى