النسخة الرقميةثقافية

النظرة الأخيرة

محمد جنيدي – مصر

انتبه لحرارة الشمس، فهي اليوم حارقة بل قاتلة. عليك أن تكون حذرا، فإن كان انتظارك سوف يطول فعليك أن تحتمي بهذا الجدار، واستظل بظله حتى يأتيك من تنتظر.
لم يهتم لكلامي، وظل واقفًا في مكانه وسط الطريق والشمس تحيطه من كل جانب وتلفح وجهه وجسده النحيف بنارها، ويزيد من مأساته ذلك القميص الأسود الذي يستتر به لكنه يمتص حرارة الشمس فتزيد من نارها على جسده الذي بدأ ينصهر وينهمر منه العرق كالسيل المنهمر.
تحركت نحو باب بيتي ولكن خاطبتني نفسي أن أقترب منه وأحذره من حرارة الشمس، ربما كان باله مشغولاً ولم ينتبه لما قلت له, بمجرد أن اقتربت منه رفع يده إلى أعلى فظننت أنه يشير لي بعدم الاقتراب، لكنه أسرع ورفع يده الأخرى إلى رقبته ورفع ياقة القميص ليستظل بها، ثم مد يده ومضى يثني القميص عن ذراعه ثم رفع يده مرة أخرى إلى رقبته ونزع عنها طوقا من الخرز الأسود معلقا به صليباً صغيراً من الذهب وأمسك به وضغط بيده عليه ويده الأخرى تمسح الدمع المنهمر من عينيه والتي اختلطت بالعرق.
تقدمت خطوة نحوه وقبل أن أنطق بكلمة اخترق صمت الطريق صوت صراخ النساء، فنظرت إلى الخلف نحو مصدر الصوت لكنه كان بعيدا رغم قوته التي بدأ بها، عدت بنظري فلم أجده أمامي، بل وجدته بعيدا يصدع من أمامه. دخلت بيتي ولكن فضولي دفعني إلى أن أذهب خلفه وأعرف حكايته فإذ به يعود منكس الرأس يرمل الأرض كالتائه في صحراء منذ زمن بعيد بدون طعام أو ماء . عاد و وقف وسط الطريق ينظر إلى الأمام نحو صرخات النساء المتزايدة، وفجأة ارتفعت الصرخات فتقدم مهرولا نحو الصوت ثم عاد إلى مكانه وسط الطريق، لكن تلك المرة يبدو عليه الإرهاق والحزن المكبوت الذي يخشى أن يظهره لكن دموع عينيه فضحته، تمايل يمينا ويسارا حتى كاد يهوي على الأرض فتحامل على نفسه واقترب من جدار البيت الذي أسكن فيه، وجلس القرفصاء ووضع رأسه بين يديه حزينًا.
أسرعت إلى بيتي وحملت له زجاجة من الماء البارد وربت على ظهره فانتبه ورفع رأسه في حزن شديد وأمسك بزجاجة الماء ورفعها إلى فمه، ولم ينزلها إلا وهي فارغة، حاولت أن أتكلم معه وأن أعرف منه ما حدث له، لكن دون فائدة فمضيت إلى الأمام أتابع مصدر الصوت حتى مررت على نفر من أهل الشارع يتهامسون فيما بينهم «هل يرث جورج من أبيه وهل يوافق عبد الله وإخوته أن يعطوا أخاهم جورج من ميراث أبيهم»؟ فعرفت أن النساء اللاتي صرخن كن يشيعن سعد البقال جارنا الذي يسكن آخر الشارع والذي هداه الله للإسلام منذ عشرين عاما وحسن إسلامه.
اقتربت أكثر من بيت سعد وقدمت العزاء لأولاده، وعدت مسرعًا إلى بيتي كي أبدل ملابسي وأتوضأ حتى أظفر بصلاة الجنازة وتشييع الجثمان، ولفت نظري عدم وجود ذلك الشاب الحزين الذي عرفت أنه جورج ابن جاري سعد. بدلت ملابسي وتوضأت وأسرعت نحو المسجد وبالقرب من باب المسجد، لمحت ذلك الشاب جورج يقف على مقربة من باب المسجد, لم أهتم كثيرًا وأسرعت نحو الداخل وأمهلنا الإمام دقائق حتى ينتهي البعض من الوضوء.
وإذ بفضولي يدفعني إلى النظر نحو باب المسجد باحثًا عن ذلك الشاب فإذ بي أراه يقترب من باب المسجد ويختلس النظر نحو جثمان أبيه ثم يعود ويبتعد عن باب المسجد.
انتهينا من صلاة الجنازة وحملنا الجثمان إلى الخارج نحو سيارة تكريم الإنسان، وقبل وصولنا إلى السيارة بحثت عن ذلك الشاب فوجدته يقف بعيدا قابضا يده على الصليب حزينًا هزيلا كشجرة ماتت جذورها وذبلت فروعها حتى أوشكت أن تسقط على الأرض، وضعنا الجثمان في السيارة فمضت مسرعة حتى اختفت عن أعيننا وإذ عيني تقع على أحد سكان الشارع السائل عن الميراث فهمست في أذنه: يرث؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى