النسخة الرقمية

المسالة التعليمية والإطار الثقافي

زكي الميلاد
هناك من يرى أن المدخل الأصوب في معالجة هذا الوضع، يتحدد في تطوير وتحديث المناهج الدراسية والتعليمية، بالشكل الذي يجعلها تواكب حركة العصر ومنجزاته، وتتناغم مع روح القرن الحادي والعشرين، وتتفاعل مع ما وصل إليه العالم من تقدم في ميادين ثورة المعلومات، وتكنولوجيا الاتصالات، وشبكات الإعلام، وتتنبه إلى ما تفرضه العولمة من فرص وتحديات..وهناك من يرى أن المدخل الأصوب، يتحدد في تطوير وتحديث طرائق ومنهجيات التعليم والتوجيه، لتجاوز الأساليب التي تكرس الحفظ والتلقين، ولا تثمر إلا بناء ذهنية جامدة وساكنة، والتوصل إلى أساليب تعزز الفهم والإدراك، وتساهم في بناء ذهنية نقدية ومبدعة، تنطلق في رحاب الحياة بطموح سام، وبأمل في المستقبل الواعد..وبحسب الإطار الثقافي يمكن النظر إلى المشكلة التعليمية من خلال الأبعاد التالية:أولاً: أن المشكلة التعليمية هي متفرعة عن المشكلة الثقافية التي هي الأصل، بمعنى أن جوهر المشكلة التعليمية وعمقها، يمتد ويرجع إلى أساسيات المشكلة الثقافية..وثانياً: أن كون المشكلة في جوهرها وعمقها لها طبيعة ثقافية، فهذا يعني أن المشكلة من حيث الأساس ترتبط وتتصل بالمجتمع، وليس بالمؤسسة التعليمية فحسب، وبالتالي لابد من النظر لهذه المشكلة في داخل المجتمع، وليس في حدود المؤسسة التعليمية..وثالثاً: أن أي بحث في معالجة المشكلة التعليمية، لا بدَّ فيه من الالتفات إلى الإطار الثقافي المتصل بهذه المشكلة، وتكوين المعرفة بطبيعة مشكلتنا الثقافية في مجالنا الاجتماعي.فعلى مستوى المناهج، نلمس أثر هذه المشكلة في التبسيط الشديد الذي تتصف به مناهجنا، وبالذات مناهج المرحلة الابتدائية، وكأنها وضعت لكي تناسب البيآت البسيطة من ناحية الفهم والإدراك والذكاء، ونلمسها كذلك في الميل الشديد إلى الماضي، وفي قوة حضور التراث بطريقة لا تخلو من مبالغة، ونقصد بالتراث المنتج الفكري الإنساني، وليس النص الديني المعصوم كتاباً وسنة.وعلى مستوى المعلمين، نلمس أثر المشكلة الثقافية في ضعف التكوين الثقافي لقطاع كبير من المعلمين، بالشكل الذي يجعل هؤلاء يتقيدون حرفياً بالمادة العلمية، ولا يقدموها بشرح ناضج تمتزج فيها المعرفة بالثقافة، والعلم بالتربية، وبسبب هذا الضعف في التكوين الثقافي، فإن المعلم لا يظهر أمام الطلاب، وحتى في رؤيتهم له، بشخصية المعلم المربي والمثقف، والذي كاد أن يكون رسولا..وأما على مستوى الطلاب، فإن أثر المشكلة الثقافية، هي أكثر وضوحاً، حيث نرى أن قطاعاً كبيراً من الطلاب الذين يلتحقون بالتعليم، وهم لا يحملون معهم أية خلفية ثقافية، ويضلون لزمن غير قصير، على هذا الضعف بدون أي تغيير جوهري، والمدهش في الأمر أن الكثير من هؤلاء يحملون معهم هذا الضعف الثقافي، إلى ما بعد تخرجهم من الجامعات. في حين أن المفترض في الطالب الجامعي أو المتخرج من الجامعة، أن يكون مثقفاً أو صاحب ثقافة أو تأهيل ثقافي، بعد هذا الزمن غير الطويل نسبياً، من التعليم الذي يعد كافياً بالتأكيد في البناء العلمي، والتكوين الثقافي في شخصية الطالب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى