سفر التكوين الشعري

د. علي المرهج
السفر والأسفار في اللغة هو قطع المسافات، وقيل أنه بقية بياض النهار بعد مغيب الشمس، ود. أحمد مهدي الزبيدي في كتابه «سفر التكوين الشعري» قطع مسافات طويلة في قراءة الشعر العراقي عبر رحلة شاقة ليكشف عن بقية بياض القصيدة في شكلها الدرامي، الذي عدَه شكلاً من أشكال التحول الحداثي لدى الشاعر الذي يتغذى من مُعطيات الحداثة للخروج من نمط القول الشعري التقليدي، فكان الشاعر العربي على وجه العموم والشاعر العراقي على وجه الخصوص في القصيدة الدرامية يبتغيان تبني مشروع الحداثة بمنطقها التحويلي والتغييري والخروج عن مهيمنات كتابة القصيدة التقليدية.لا أروم الخوض في تفصيلات ما كتبه الزبيدي في سفره النقدي الشعر، ولكن القصيدة الدرامية عنده هي القصيدة التي تتجسد فيها التجربة الذاتية تجسيداً موضوعياً جدلياً عبر إنتاج الشاعر الإبداعي المرتبط بشعوره الوجودي بالآخر.
القصيدة الدرامية هي القصيدة التي تتوافر فيها عناصر البناء الدرامي: «الحدث، والحوار، والزمان، والمكان»، فتتحول فيها أزمنة الشاعر الذاتية إلى أزمنة مرئية موضوعية، يُجسد فيها عبر تجربته الخاصة وقوله الشعري تجربة مجتمعية عامة، في الصراع والإحتدام في مخاضات الحياة التي يعيشها الشاعر، فهو القول الجاهر شعراً عبر تعبير جمالي عن هذه المخاضات والمُعاناة «الأنطولوجية».
يهتم الشعر الدرامي بالحدث، بقصدية يروم بها الشاعر كسر نمطية الكتابة الشعرية التقليدية بطابعها الغنائي المعهود، ليجعل من قصيدته ليست مُجرد إبداع قولي وبياني، بل هي محاولة للكشف عن أبعاد التجربة الإنسانية، ومثال ذلك قصيدة السياب «المومس العمياء».
يُميز الزبيدي بين السردي والدرامي، والفرق بينهما كالفرق بين القص والتمثيل، كذلك يُميز بين (الحدث المُغلق) و (الحدث المفتوح)، ففي قصيدة البياتي (أولد…وأحترق بحبي) ينغلق الحدث بين مُستويي الحركة والسكون، ويحتدم الصراع فيه بين الأمل (يُلد) واليأس (أحترق)، وكذلك هي قصيدة حسين مردان (السلسلة 1956) من نمط النماذج الدرامية التي تندرج ضمن (الحدث المُغلق)، وهناك نماذج كثيرة من الشعر العراقي الحديث والمعاصر أدرجها الزبيدي ضمن تصنيفه لنوع الحدث، فقصيدة (أحمد عبد الحسين) أحد الشعراء المُعاصرين «مُحيي الدين ابن عربي» أدرجها ضمن القصائد الدرامية ذات (الحدث المفتوح)، فقد حاول فيها الشاعر أن يستنطق الشخصية التاريخية (ابن عربي) وتحويلها إلى مُعادل درامي يحمل صوت الحاضر بأسلوب «قصيدة القناع».
«الشخصية» هي من مكونات النص الشعري الدرامي، وحتى السردي، فهي «عمود الحكاية الفقري»، وهي «الفاعل»، مُحاولاً الزبيدي الكشف عن مساهمة هذا الفاعل في بناء القصيدة الدرامية، فجعل من قصيدة السياب «المُخبر» أنموذجاً للإشارة على دور الشخصية في تشكيل النص الشعري الدرامي، لظنه أنها هي الشخصية التي تكون خبرة الإدراك مُتجسدة فيها، فتنتقل المعلومات السردية من خلال آرائها الخاصة. وقد وجد في قصائد بُلند الحيدري، وفي بعض تجارب يوسف الصائغ وسعدي يوسف وعبدالرزاق عبدالواحد وفاضل العزاوي الشعرية ما يُعمق البناء الدرامي في كثير من نصوصهم الإبداعية.
«الحوار» هو المكون الثالث الأساس للقصيدة الدرامية، فهو الذي يدفع بإتجاه تطوير الحدث الدرامي وتجليته مُرتبطاً بقدرة الشاعر على بناء عناصر الدراما عبر وضع ديالكتيك القصيدة الدرامية بتكثيف لغوي أو جدل حواري صاعد أو نازل بلغة أفلاطون، للكشف عن تحولات الحوار والصراع داخل بنية القصيدة الستينية التي شكل السياب أنوذجاً للزبيدي في كل أشكال وتمظهرات القصيدة الدرامية، ولكنه تناول شعر (حسب الشيخ جعفر)، ومنه قصيدته (الحانة الدائرية)، وهي إحدى قصائده الدرامية العاطفية، تُعبر عن تجربة الإنسان (الشاعر) ذي التكوين الريفي وصراعه مع المدينة ومكوناتها المُغايرة لتكوينه القروي من حيث الحانات والنساء…إلخ.
كانت قصيدة (نجمة) لعدنان الصائغ بالنسبة للزبيدي بمثابة مقطوعة حوارية تتشكل بمرجعيات سردية مُتصدرة للنص توجه بوصلة الحركة الدرامية نحو الدال الرئيس (نجمة) الراصد لتحولات الحدث باتجاهين مُتناقضين، الأول: يُمثل المرحلة الإيجابية من حيث الطفولة والجمال والعشق، والثاني: يُمثل المرحلة السلبية من حيث الحرب الثمانينية (حرب العراق مع إيران).
كان لقصائد كاظم الحجاج، وخزعل الماجدي، وكزار حنتوش حصتها في كتاب الزبيدي، لإرتباط قصائدهم بما هو مألوف درمياً في حياتهم ليُدونوه شعراً يقترب من حيث المضمون والتعبير من اليومي في حياة ولغة المجتمع الذي هم منه.
«الزمكان» أو الزمان والمكان، وكما يُعرف أرسطو أن «الزمان مكان تعدّه الحركة»، فالزمان والمكان مُتلازمان، ولا يُمكن لنا تصور زمان خارج المكان، كما لا يُمكن لنا تصور مكان لا زمان له. لذلك يؤكد الزبيدي أن «الأدب هو فن الزمان» و»أن كل حادثة لا بُد أن تقع في مكان مُعين»، ولتداخل المفهومين في التصور الذهني والواقعي، بل وحتى في البناء السردي أو الشعري الدرامي الذي هو لازم لتصوراتنا المكانية والزمانية في تعالقهما الذهني والواقعي.
في قصيدة نازك الملائكة (صلاة الأشباح) يكشف الزبيدي عن هذا التعالق بين الزمان والمكان، فسنجد في هذا النص الشعري الدرامي حركية درامية تُركز على البُعد الزمني المُتفاعل مع البُعد المكاني عبر الربط التلازمي بين السبب والنتيجة. وهكذا هو الحال مع ما كتبه عبدالرزاق عبد الواحد في قصيدته (سطوح) التي جسد فيها إختلاف الميول الإنسانية، سواء أكانت ثقافية أم سياسية أم اجتماعية، ولكل وحدة درامية (مكانية) (سطح) مُعبر عن مشهدية الصراع الدرامي التي حدد بها الشاعر الإطار «الزمكاني» (المُغلق للحدث)، وقد وجد الزبيدي في قصيدة السياب (عُرس في القرية) الذي ظل هو بوصلته الموجهة لتنظيراته حول بناء وتشكيل القصيدة الدرامية مثال على إفادة الشاعر من آلية «الزمكانية المفتوحة».
للقصيدة الدرامية أشكال عدَة، أهمها: قصيدة القناع، وقصيدة الحوار، وقصيدة المُفارقة، وقصيدة المشهد.
قصيدة القناع إرتبطت بمقدار وعي الشاعر بماهية القناع وكيفية توظيفه الفني، مثالها (البياتي)، و (سعدي يوسف) في (الأخضر بن يوسف)، وقصيدة عارف الساعدي (عندما ينفذ الماء).
أما قصيدة الحوار، فقد استمدت شرعيتها و ولادتها الناضجة مع بُلند الحيدري في قصيدته (حوار عبر الأبعاد الثلاثة)، أو قصيدة (مسيرة الخطايا السبع)، ومن بعد بُلند من الشعراء الستينيين ممن يُمكن لنا وصفهم بأنهم من شُعراء (قصيدة الحوار) هم: «فوزي كريم، ومحمد سعيد الصكار، وسامي مهدي…»، فكان بيانها وإكتمالها مع شعراء العقد السبعيني ومنهم رعد عبدالقادر في قصيدته (ملك في الرماد).
من أساسيات بناء المشهدية في القصيدة الدرامية هو عنصر المفارقة، أو سعي الشاعر إلى التغريب في القول وبناء نص شعري يبغي «التنافر في في ترتيب الأحداث»، رغبة من الشاعر الحصيف في اللعب على الألفاظ من أجل صناعة مشهد شعري غير مُنتظر في الأحداث، مشهد مُربك ومُقلق مُفاجئ، يخترق توقعات المتلقي، ليصنع حدثاً خارج التوقع الممكن في ضوء ستاتيكية الزمان والمكان، ولكن القصائد الدرامية هي التي من أفضال مُبدعها (الشاعر) أنها تخترق أفق التوقعات، لتُعيد للذهن بعض من بهائه في الكشف عن (المسكوت عنه) الضامر خلف الظاهر من القول السردي أو الشعري، لذلك نجد الزبيدي يُدرج «قصيدة المُفارقة» بوصفها واحدة من التنويعات الأسلوبية التي وظفتها (القصيدة الدرامية).
«قصيدة المشهد» التي تشترك في دلالتها مع المعنى الذي تضمنه تعريف المشهد عند كُتاب «السيناريو» أو كُتاب «السرد»، والقصد منه هو جعل كل ما قيل في النص الشعري أو القص السردي، قصصياً كان أم روائياً، أو نصاً مسرحياً، يبدو وكأنه مشهد صوري يعيشه المُتلقي أو القارئ أو المُشاهد، أو السامع، يعتمد فيه الشاعر على تكثيف الصورة، والسارد على جعل المُتلقي يعيش مشهدية الصراع وكأنه جزء من بنية الروَي، ويجعل منه المُخرج في العمل المسرحي = المٌتلقي (المُشاهد) عُنصراً من عناصر الفعل والتأثر والتأثير في العرض المسرحي.
تميل قصيدة المشهد إلى الاقتصاد الأسلوبي الكمي وإرتكازها إلى القصيدة القصيرة ذات التطعيم السردي، ومن أوائل قصائد المشهد هي قصيدة سعدي يوسف (الجزائر).
عبر محاولة جادة من الزبيدي لتوصيف معيارية النص التفاعلي الدرامي ونسبة تحوله من الذات إلى الموضوع ودرجة التشذيب الغنائي ومقاربة مسرحة النص نجده يُحاول جاهداً وضع تصنيفات إجرائية للشعر العراقي وفق فعل الشعر وتأثيره غنائياً، ورد الفعل الشعري المُضاد له درامياً، ليضع لنا تقسيماً ثُلاثياً هو: (الغنائي ـ الدرامي)، و (السردي ـ الدرامي)، و (الدرامي الخاص)، أو القصائد الدرامية النقية التي شكلت مرحلة النُضج الأسلوبي الحديث الذي ألجم غنائية النص الذي مثل السياب في قصيدته (المسيح بعد الصلب) وقصائد أخرى له أنموذجاً للمُنجز الشعري الدرامي في الشعرية العراقية الحديثة. وربما يكون لخالد علي مُصطفى في قصيدته (الشيخ) بدء تشكيل على غرار تصميم لحوارية (خطابية) بـ (منولوج) داخلي وخارجي، شاركه في ذلك من شعراء سبعينيات القرن المُنصرم في الأسلوبية الدرامية الخالصة هذه، حسب الشيخ جعفر، وفوزي كريم، ومحمد علي الخفاجي، وياسين طه حافظ، ولحق بهم رعد عبدالقادر بمُحاكاته لأسلوب سعدي يوسف وفاضل العزاوي في النتاج للشعر الدرامي الخالص الذي أبدع فيه فيما بعد كاظم الحجاج في قصيدته (لقاء إذاعي مع العريف المُتقاعد حطاب)…
في سفر الزبيدي أشياء و أشياء، بعض منها استطعت التعبير عنها، ولكن في السفر ما نحتاج به لعدة مفاهيمية ومناهجية لقطع المسافات والاقتصاد الثقافي في الفهم والشرح لمقاصد الزبيدي واستعراضه لقصائد كبار شعراء العراق وإدراج بعض من إبداعاتهم الشعرية ليضعه من ضمن سفر التكوين الشعري العراقي المرتكز في حداثته وتجاوزه لنمط الإنشاء الشعري التقليدي، الذي كان تتويجه في الشعر الدرامي الحداثي اللا تقليدي وتنوع الأساليب البنائية للقصيدة الدرامية في الشعر العراقي الحديث.



