بعد إنتشار تقارير الأمم المتحدة .. علامات على فشل «فن عقد الصفقات» الخاص بـ «ترامب» في «بيونغ يانغ»
بغض النظر عن مقدار الوقت الذي مرّ على اللقاء التاريخي الأخير الذي جمع زعيمي أمريكا وكوريا الشمالية في سنغافورة يوم الـ12 حزيران الماضي، إلا أنه من المحتمل أن يزول التفاؤل من إنهاء الصراع في شبه الجزيرة الكورية ومن المرجّح حدوث عاصفة سياسية تتسبب بتلاشي أجواء الهدوء التي استمرت لأيام شرق آسيا وتعدّ قضية انتشار تقارير متكررة من منظمات ومؤسسات دولية، تفيد باستمرار «بيونغ يانغ» بتطوير صواريخها وأنشطتها النووية، هي الشرارة الأولى التي تُهدد بنسف كل تلك المحادثات وإعادة التوترات بين «واشنطن» و»بيونغ يانغ» وهنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، بالنظر إلى المستقبل الغامض لمحادثات «سنغافورة» التي عُقدت بين الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» والزعيم الكوري الشمالي «كيم جونغ آن»، أ يكون الفشل حليفاً لهذه المحادثات أم إنه من الممكن أن تؤتي هذه المفاوضات ثمارها في المستقبل القريب؟.
إذ أعرب الرئيس الكوري الشمالي قبل بدء المحادثات مع واشنطن بأنه لا يريد أن يكون مصيره كمصير القذافي في ليبيا وصدام في العراق، اللذين أطاحت بهما أمريكا بعمليات عسكرية والحقيقة هنا هي أنه عند قراءة السلوك العملي لقادة كوريا الشمالية، يتبيّن لنا أن لديهم خوفاً من الهجمات الأمريكية، سواءً عند قيامهم بتصنيع أسلحة نووية أم عندما جاؤوا لهذه المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في العاصمة السنغافورية ولهذا فإن القادة في كوريا الشمالية خلال العقدين الماضيين كانوا يرون بأن امتلاك أسلحة نووية، يعدّ أهم ضمان للحفاظ على النظام السياسي في «بيونغ يانغ» ضد التهديدات والضغوط الأمريكية وهذا الأمر يرجع أيضاً إلى عدم ثقة كوريا الشمالية التاريخية بأمريكا والتي برزت بالفعل خلال عدة جولات من المفاوضات.فخلال سبعينيات القرن الماضي، دعت كوريا الشمالية مرتين على الأقل أمريكا للتفاوض على معاهدة سلام ولكن واشنطن في كل مرة كانت تتحجج وترفض القدوم إلى طاولة المفاوضات وخلال مدة حكم الرئيس السابق لأمريكا «بيل كلينتون»، تمَّ التوقيع على اتفاقية سُميت «إطار العمل المتفق عليه» بين «بيونغ يانغ» و»واشنطن»، بقصد وقف واستبدال البرنامج النووي الخاص بمحطة الطاقة النووية لكوريا الشمالية ولكن للأسف الشديد ومع وصول «جورج بوش» الابن إلى البيت الأبيض، تمَّ إلغاء هذه الاتفاقية وهذا الأمر جعل القادة في كوريا الشمالية يفقدون الثقة بأمريكا.مما لا شك فيه، أن أحد الانتقادات المحلية والدولية الرئيسة (على مستوى الشركاء الإقليميين) التي وُجّهت للرئيس «ترامب» أثناء عملية تفاوضه مع كوريا الشمالية في سنغافورة، يتمحور حول الغموض الذي كان يُخيم على هذه المفاوضات وهذا ما يؤكده قيام كوريا الشمالية قبل أيام قليلة فقط بعقد مؤتمر القمة التاريخي بين «ترامب» و «آون»، بإصدار بيان في الـ» 6 أيار»، ينفي جميع الشائعات حول قبولها التخلي عن أسلحتها النووية وصواريخها الباليستية وأيضاً، تلك التقارير التي أرسلتها وكالات الاستخبارات الأمريكية عن شكوكها بأن كوريا الشمالية لن تتخلى عن أسلحتها النووية بعد عقد تلك القمة التاريخية بين البلدين.وهنا تجدر الإشارة إلى أن السبب الرئيس لفشل هذه المفاوضات، يرجع إلى سلوك الإدارة الأمريكية في التفاوض وعدم وجود إرادة حقيقية لدى قادة البيت الأبيض لحل النزاع في شبه الجزيرة الكورية وذلك من أجل تحقيق بعض من أهدافهم الاستراتيجية والحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في الشرق، لمنافسة الصين و روسيا ويذكر العديد من المحللين السياسيين أن أمريكا تحتاج إلى هذا الوجود وذلك من أجل منع الصين من اكتساب القوة والنفوذ في تلك المناطق ولهذا فإن الأزمة النووية الكورية توفّر الذريعة المناسبة لوجود القوات والمعدّات الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية وفي هذا الصدد، قال وزير خارجية أمريكا «مايك بامبو» على هامش اجتماع وزراء خارجية الدول العشر الأعضاء في منظمة «آسيان» وبحضور مسؤولين رسميين آخرين من بلدان أخرى في العالم في سنغافورة، للصحفيين إن واشنطن أعطت ضماناً بقيمة 300 مليون دولار لدول جنوب شرق آسيا وهذا الأمر يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك المنطقة تعدّ من أهم المناطق الاستراتيجية التي تسعى واشنطن للسيطرة عليها.ونظراً لكل هذه الأحداث، وجّه رئيس البيت الأبيض، الذي يرى نفسه بأنه حقق إنجازاً عظيماً بعقده مفاوضات مع كوريا الشمالية، العديد من الاتهامات لوسائل الإعلام والحزب المنافس له وقال إنهم يعملون على قلب الحقائق ونشر الكثير من الأخبار الكاذبة وأعرب «ترامب» الليلة الماضية، عن شكره العميق للزعيم الكوري الشمالي لإرسال رفات الجنود الأمريكيين، متجاهلاً جميع تلك التقارير التي نشرت خلال الأسابيع الماضية وكرّر «ترامب» وعده بأنه سيلتقي قريباً بالزعيم الكوري في البيت الأبيض وهنا يبدو بأن «ترامب» لا ينوي العودة إلى التراشق بالعبارات الكلامية الجارحة مع «بيونغ يانغ»، كما أنه لا يريد الاعتراف ولو لمرة واحدة بأن مصير هذه المفاوضات مع كوريا الشمالية سيؤول للفشل ولا يريد الاعتراف بأن فرضه للكثير من العقوبات الاقتصادية على روسيا والصين، كان سبباً في ارتفاع مستوى التوترات في العالم أجمع.



