النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

44

مَا يميز تجربة السَماوي يحيى الشِعرية فِي أحدِ جوانبها المهمة، هو القدرة الفائقة عَلَى اِسْتِغلالِ مَا اكتنزته ذاكرته مِنْ مَوْرُوثَاتٍ وَأحداث عاش فِي خضمِها وتجاذبته المعاناة مِنْ معطياتها، حيث أَنَّ القراءةَ المتأنية لبعضِ قصائده، فضلاً عَنْ مدادِ يراعه فِي أجناسِ الأدب الأخرى، تكشف عَنْ أثرٍ واضح لاستفزازِه الذاكرة ومنحها دفقاً؛ لإِنْتَاجِ صورٍ شِعرية وَأدبية تقوم عَلَى إبرازِ حالته النَفْسِيَّة وَانفعالاته الَّتِي تجتذب القارئ وَتهز وجدانِ المتلقي الَّذِي مَا يَزال مشاركاً لَه فِيمَا يشعر بِه مِنْ هواجسَ حيال مَا جرى مِنْ أزماتٍ وَمجاعات وَاغتراب وَأحداث دامية خلفت الكثير مِنْ الهمومٍ وَالأحزان وَالنكبات. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تنوعَ الينابيع الَّتِي نهل مِنهَا السَماوي يُعَدّ أحد الدعائم الإِيجابيَّة الَّتِي ميزت تجربته الشِعرية؛ إذ أَنَّ الخروجَ مِنْ مأزقِ الأحادية فِي اعتمادِ المصادر، وَالَّتِي لَمْ يكن بوسعِ الكثير مِنْ الشعراءِ وَالأدباء مغادرة شباكها، ساهم فِي إثْرَاءِ أدواته الشعرية، وَطور مِنْ موهبته فِي نظمِ القصيد وَانتقاء مفرداته عَلَى وفقِ ضوابطَ لغوية وَشروط نحوية، وَهو الأمر الَّذِي اتضحت معالمه فِي جمالِ صياغة قصائده وَتميزها؛ لارتكازِه عَلَى الإِبْداعِ فِي تركيبِ الصورة الشِعرية، فضلاَ عَنْ دقةِ اختيار الكلمة. يضاف إلى ذلك الدور الواضح للبِيئَةِ المَحَلِّيَّة الَّتِي عاش فِي رحابِها بالمُسَاهَمَةِ فِي إنضاجِ شاعريته وَتوهج وَعيه السِّياسِيِّ الوَطَنِيّ التقدمي؛ إذ يمكن الجزم بأنَّ مشاركته فِي الانتفاضةِ الجماهيرية عام 1991م، كانت تتويجا للحسِ الوَطَنِيّ الَّذِي نشأ عَلَيه منذ ختم مراهقته الشِعرية فِي ديوانِه البكر الموسوم « عيناك دنيا «، ليبتدئ شبابه الشِعري فِي ديوانِه الثاني « قصائد في زمن السبي والبكاء « الَّذِي أصدره أيام دراسته فِي كليةِ الآداب بالجامعةِ المستنصرية، فلا غرابة فِي قولِ الكاتبة وَالقاصة التونسية هيام الفرشيشي مَا نصه «شِعرُ يحيى السماوي يتقلب بين الوطن داخل الكلمات والمنفى خارج الوطن»، فضلاً عَنْ إشارتِها إليه بوصفِه «أشبه بالطفل الذي يطرب لثغاءِ شاة أو نباح كلب في بستانٍ من بساتين السماوة، أكثر مما تطربه موسيقى منتديات الليل في المدن الكونكريتية»، وَيقيناً أَنَّ الأديبةَ الفرشيشي كانت عَلَى صوابٍ بشكلٍ لا يقبل اللبس فِي معناه؛ لأَنّ قولَها يعبر حقيقة عَنْ تعلقِ السَماوي بوطنِه وَمرابع طفولته وَأيام صبَاه وَشبَابه.
جـرّبـتُ يـومـاً
أنْ أغَـيِّـرَ فـي طـقـوسـي حـيـن يـطـحـنـنـي الـحـنـيـنُ
كـأنْ أخـونَـكِ
فـي دهـالـيـزِ الـخـيـالْ
هـيّـأتُ فـي سِـردابِ ذاكـرتـي
سـريـراً بـاردَ الـنـيـرانِ مَـسـعـورَ الـنـدى ..
ومـن الـسَّـفَـرْجَـلِ والأقـاحِ وسـادةً ..
ومَـلاءةً ضـوئـيَّـةً
طـرَّزْتُـهـا بـهـديـلِ فـاخِـتـةٍ ..
ومـبـخـرةً مـن الـشّــبَـقِ الأثـيـمِ ..
ومـن صـحـونِ الـلـذّةِ الـحـمـراءِ مـائـدةً ..
وثـغـراً ظـامـئـاً لـرضـابِ زهْـرِ الـبـرتـقـالْ ..

ونـديـمـةً كـانـتْ تُـويْـجَـتُـهـا أنـيـسـةَ مَـيـسَـمـي :
شـفـتـانِ مـن كَـرَزٍ ..
وعـيـنـانِ اسـتـفـاقَ الـعُـشـبُ فـي حـقـلـيـهـمـا ..
وحَـمـامـتـانِ يـكـادُ عُـشُّـهُـمـا يـضـيـقُ بـهِ الـقـمـيـصُ
فـحَـلَّ أزراراً لِـيُـفـسِـحَ فـي الـمـجـالْ
فـاسْـتـنْـفـرَتْ جـوعـي لـذائِـذُهـا ..
وحـيـن هَـمَـمْـتُ :
سَـلَّ الـقـلـبُ أضْـلاعـي عـلـيَّ
فـكـنـتُ مـهـوىً لـلـنِـبـالْ
فـعـرفـتُ أنـي
حـيـن أجـنـحُ عـن صِـراطِ هـواكِ :
أبـدأ بـالـتّـلاشـي والـزّوالْ
السَماوي يحيى الَّذِي أسبل عناقيد العشق مِنْ حول وطنه، نجح فِي توظيفِ مَا امتلكه مِنْ موهبةٍ أدبية حقيقية فِي التعبيرِ عَنْ انفعالاتِه الَّتِي تعكس صفحات مرعبة مِنْ تأريخِ معاناة الشعب العراقي، فضلاً عَنْ حرصِه عَلَى الغوصِ فِي بحورِ اللغة؛ لأجلِ الإمساك بالمفردةِ الَّتِي مِنْ شأنِها التعبير بصدقٍ عَما يجيش فِي صدرِه وَرأسه مِنْ أفكارٍ وَآراء مستمدة المقومات مِنْ مشاعرِ الحب وَالشوق وَالمُقَاوَمَة وَالغربة وَالحنين. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ السَماوي كان واعياً فِي البوحِ عما يعتمل فِي وجدانه، حيث تمكن مِنْ تفريغِ انفعالاته بِمَا أفضى إلى إيجادِ بِيئَةٍ خصبة بالتعاطفِ مَا بَيْنَ نتاجه الشِعري وَبَيْنَ المتلقي. وَفِي السياقِ ذاته، يرى السَماوي أنْ لا هدوءَ لطوفانِ انفعالاته، إلاّ حين يعود العراق خيمة أمان وَمائدة عافية، وَليس كما هو الآن كما يصفه بـ : « أرخبيل دويلات هشة.. وكل وزارة دولة أو حزب أو طائفة ، في وطن أغلبه منطقة صفراء وقليله منطقة خضراء «. وَلا رَيْبَ أَنَّ وَطنَ السَماوي كان حاضرًا عَلَى الدوامِ فِي عقلِه وَمؤثراً فِي نظمِ شِعره، فحسهُ الوَطَنِيّ يزيده يقيناً مِنْ أنَّ البناءَ السِّياسِي فِي بلدِه، لَمْ يكن سليماً بفعلِ أجندة المحتل الأمريكي، حيث يشير ضمن هَذَا المعنى بالقول : « طوفان الانفعالات سيهدأ حين يصبح الوطن كله منطقة خضراء، وحين يعمّ الأمان كل العراق وليس المنطقة الخضراء وحدها، وحين نرى اللصوص الجدد في قفص المحاكمة، وقبل ذلك إعادة النظر في بعض مواد الدستور لتخليصه من القنابل الموقوتة التي وضعها المحتل الأمريكي «. وَمِن المؤكّـدِ أنَّ تلك المواقف الوَطَنيّة لَمْ تكن جديدة عَلَى السَماوي يحيى الَّذِي استمد وعيه السِّياسِيّ مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة، وَالَّتِي مِنْ المؤكدِ إنَهَا كانت سبباً فِي معاناتِه وَمعاناة عائلته، فضلاً عَنْ السوادِ الأعظم مِنْ أبناءِ شعبه، فَكان أنْ انصهر فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد مذ أنْ كان غضاَ طريا.
جـرّبـتُ يـومـاً
أنْ أغـيِّـرَ فـي كـتـابِ الـقـلـبِ ..
أشـطـبُ مـنـهُ :
بـاديـةَ الـسـمـاوةِ ..
والـفـراتَ الـمُـجـتـبـى ..
ومـآذنَ الـلـهِ الـنـخـيـلْ
والـكـوخَ والـفـانـوسَ ..
تـنّـورَ الـصّـبـاحِ ..
وطـاسـةَ الـلـبـنِ الـخـضـيـضِ ..
ونـخـلـةَ الـبـرحـيِّ وسْـطَ الـحـوشِ ..
والـفـقـرَ الـجـلـيـلْ
فـنـشـرتُ أشـرعـتـي
وأبْـدَلـتُ الـلـسـانَ بـغـيـرِهِ ..
غـيّـرْتُ أثـوابـي ..
وأبْـدَلـتُ الـسـواحـلَ بـالـسّـواقـي ..
والـمـراقـصَ بـالـمـآذنِ ..
والـكـمـنْـجـةَ بـالـهـديـلْ
لـكـنـنـي
عـنـدَ الـوقـوفِ إلـى الـمـرايـا
لا أرى
إلا مـلامـحَ أمـسـيَ الـحيِّ الـقـتـيـلْ :
طـفـلٌ بـلا لُـعَـبٍ ..
صـبـيٌّ قـابَ قـوسٍ مـن كـهـولـتِـهِ ..
فـتـىً صـلـبـوا عـلـى عـيـنـيـهِ هُـدْهُـدَهُ الـجـمـيـلْ
وأرى غـدي
فـي «الـمـسـلـخِ الـوطـنـيِّ» ..
يـنـهـشُـهُ الـمُـنـافـقُ ..
والـمُـدَجَّـنُ ..
والـولـيُّ الـلـصُّ ..
والـضَّـبْـعُ الـدّخـيـلْ ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى