الحياة الغنيّة للمؤمن
السيد عباس نورالدين
قال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة المؤمن: «الْمُؤْمِنُ… بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مَشْغُولٌ وَقْتُه».تتميّز حياة المؤمن الواقعيّ بغنًى واسعٍ يثري نفسه بأعمق المشاعر وأجملها. وليس هذا بعجيب لمن أدرك سعة الفرص التي جعلها الله تعالى في هذا الكون. فلو نظرنا إلى العالم المحيط بنا لرأينا الكثير الكثير ممّا يمكن أن نقوم به في الليل والنهار، ويعود علينا بالنفع والفائدة.وأوّل شغل جميل للمؤمن يرتبط بهذه الأرض التي تضجّ بالاستعدادات والإمكانات الكامنة. ولأنّ المؤمن يحمل في ذهنه تصوّرا عن الجنّة الموعودة، فهو مدركٌ للتّصميم النهائيّ لهذا العالم، ولو كان بالإجمال. وبعد المقارنة بين الواقع الذي يعيشه والتّصميم النهائيّ الذي يمكن أن يحقّقه، يدرك المؤمن أنّ لديه الكثير من الأعمال التي ينبغي أن يقوم بها حتى يبدّل هذه الأرض إلى تلك الجنّة،إنّ الثّروات الرّوحيّة الموجودة في هذه الحركة التّكامليّة تجعل حياة المؤمن حياة غنيّة حافلة بالمشاغل الرّائعة التي تترك آثارًا لا تزول في النّفس. ومن المعروف أنّ العشق درجاتٌ من حيث الشدّة والضعف. ولا تتساوى بهجات العشّاق لمجرّد أنّهم يعيشون متعة الحبّ والمعاشقة. فإنّ للمعشوق أكبر الأثر في تحديد درجة العشق وآثاره الطيّبة في النّفس. ولهذا كان عشق الله تعالى أعظم عشق؛ بل لا يمكن أن يُقارن به أي عشق آخر؛ حتى قيل أنّ كل عشق غير عشق الله هو مجاز، وحبّ الله هو الحبّ الحقيقيّ. وما لم يكن حبّنا للغير متّصلًا بحبّ الله تعالى، فلن تغلب فيه جهة البهجة. لهذا اقترن الحبّ الشهوانيّ، الذي يكون مبدؤه تسلية النفس، بالكثير من الآلام والمتاعب!فالصّلاة هي رحلة العشق أو المعاشقة، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وأله): «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَتَفَرَّغَ لَهَا فَهُوَ لَا يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَمْ عَلَى يُسْرٍ.».ويرتع المؤمن في مروج الدّعاء، ويسبح في فضاءات المناجاة، التي تضفي على حياته كلّ يوم بهجة لا توصف. وكيف لا، وهو يخاطب ويناجي ويكلّم مصدر الكمال المطلق، وهو على يقين بأنّه يستمع إليه ويستجيب له. فتجربة الدّعاء والمناجاة مع الله تعالى ليست تجربة صامتة تنشأ من طرفٍ واحد. فأهلها يعلمون أنّ ما ينالونه من لذائذ الاستجابة هو أكبر بكثير من أدعيتهم ذاتها..ولأنّ الأدعية المدّخرة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تشمل كل شؤون الحياة، وتتّصل بأعماق النّفس وتنفتح على آفاق غير مكتشفة، فسوف يكون للدّعاء هذا الأثر العظيم في حياة المؤمن، حيث يتمكّن من ملاحظة حضور الربّ المتعالي في كلّ شيء. فلو لم يكن لمثل هذه الأدعية سوى هذا الأثر لكفى أن يكون الدّعاء أعظم وسيلة لإثراء حياتنا وإشباع رغباتنا الروحيّة والمعنويّة..فالله تعالى قد أودع أسرار الكون وعجائب الخلق في النفوس البشريّة، وما على الإنسان إلا أن يسبر أغوارها من خلال إزالة الحجب التي أسدلتها الأهواء والشّهوات الرّخيصة عليها. إنّها رحلة الانعتاق والتحرّر الأكبر. ومع كل درجة من الحرّيّة التي يحقّقها المؤمن، ستتّسع قدراته في تذوّق واستشعار المعاني الجميلة في الأشياء. فحين يحرّر حبّه من التعلّق سيذوق طعم جماله، وحين يحرّر نفسه من الجاه سيتّسع العالم أمامه، وحين يحرّر روحه من سيطرة الغضب سيدرك عظمة التّسامح والعفو الإلهيّ، وحين يحرّر نفسه من الأنانيّة سيدرك جمال الرّحمة السّارية في كلّ الوجود..أجل، إنّ المؤمن سعيدٌ مبتهج في أعماقه لأنّه مشغول إلى حدّ الثمالة. فقد شغل بصره وقلبه وعقله وروحه وجميع قواه ومدركاته بعالمٍ لا متناهٍ لا تنقضي عجائبه. وهذه هي الجنّة التي سيحقّقها، إن هو مضى على هذا الطّريق؛ قال الله تعالى: {إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُون}.



