النسخة الرقميةثقافية

عربي اُضيف الى الشعراء الكرد طوعاً الشاعر وليد حسين: الشعر العمودي ليس ترفاً.. و كثرة المطابع و التواصل الاجتماعي شجعت الطارئين على الأدب

المراقب العراقي/ حيدر الجابر

يكتب الكثيرون الشعر، وفي زمن الحرية او الانفلات، يستطيع كل انسان- يكتب ويقرأ- ان يطلق على نفسه لقب «شاعر»، ويمكنك ان تكون ناقداً بغض النظر عن خلفيتك الثقافية او ثروتك العلمية، فالبعض يرى ان النقد ينطلق من مؤثرات ذاتية فقط، ويؤثر ذوقه الانطباعي في حكمه للنصوص، لذلك كثر الشعراء، وقلَّ الشعر. هل هذه حالة طبيعية؟ وهل ما زال الشعر العمودي صامداً بوجه التغيرات؟ هذه الأسئلة وغيرها حاورنا فيها الشاعر والإعلامي «وليد حسين»:* أ انتهى عصر الشعر العمودي؟ أم أنه لم يعد ملائماً لروح العصر؟
ـ الشعر العمودي باقٍ، كيف لا وهو يغترف من ستة عشر بحرا «وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حيّ أفلا يؤمنون»، فقد كتب لنفسه الخلود، وهو الملاذ الحقيقي للنفس من عذاب الحياة وقسوتها، عندما يستوطنها الألمُ، تجد الرغبة قائمة في الغناء، ليتسنّى لك الابتعاد بالروح الى عوالم أكثر تخمة ، فالشعر العمودي ليس ترفاً بقدر ما هو سبيل الى النهوض ومقارعة الظلم، ولأنه الصدى لما يجول في داخلك، بإمكانك السير معه، بعيداً عن المهالك ليتماهى مع روح العصر، نحن نحتاج الى الصور ، الى التكثيف الصوري ، وهذا القدر كافٍ لتمييز الشعر عن النظم ، وإذا أجرينا مراجعة سريعة للمهرجانات التي تشترط قصيدة الفراهيدي، لأمكننا القول: إنّها خالدة وملائمة لروح العصر ، وأنّها أحدى ثوابت أمّتنا العربية والإسلاميّة.
* نشهد طوفاناً من الادب، شعراً و رواية، أ هو أمر صحي ام أنه نتيجة غياب الرقابة؟
ـ الفوضى التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا ، امتدّت الى مرافق الحياة كافة ، فشملت أيضا الشعر والرواية، وغيرهما من الأجناس الأدبية ، ولانّ في داخل كلّ نفس بشريّة الرغبة بالظهور ، وتحقيق الذات ، حتّى لو كان الامر على حساب الذائقة العامة ، ولغيابِ الرقيب والنقد التقويمي ، انتشرت ظاهرة الطارئين على الأدب بعد سقوط اللا نظام السابق ، وكذلك كثرة دكاكين الطباعة التي أخذت الترويج دون الالتفاف الى الأدب الحقيقي، ولا ننسى مواقع التواصل التي فتحت الباب على مصراعيه لمن هبّ ودبّ ، ولخلو النص النثري من اشتراطات القصيدة العمودية ، فالخواطر أمست قصائد دون عناية ، اضافة الى السرقات من نصوص مترجمة ،والحديث يطول اذا أردنا ان نستقصي الأسباب في كلّ شاردة و واردة ، وكانت سببا مباشرا أو غير مباشر في بروز الطوفان.
* هل جربت السرد؟
ـ نعم، جربت الكتابة السرديّة، وكانت لي مشاركة في قصة كتبتها عن شهداء سبايكر (رحمهم الله) ولكنّي فشلت ، لأنّ الشعر كان طاغياً، مما جعلني أولي بوجهي نحو عالمي الشعري، فالكتابة القصصية ليست سهلة كما يتوهم بذلك المتوهمون ، بل هي معرفة بكل ثيمات السرد ، والتواصل مع أحدث النظريات في عالم القصة والرواية.
* أصدرت ١٠ دواوين، أيها أقرب لروحك؟
ـ صدرت لي عشرة دواوين في بغداد وسوريا ولبنان، وصدر كتاب مشترك مع شعراء مغاربة بشعر الهايكو في الدار البيضاء، ولكنّي أجد الصعوبة في تحديد الأقرب الى روحي ، فالمجموعات الشعريّة هنّ بناتي الأخريات ، ولايمكن أن أجد التفاوت بينهن ، فلكل قصيدة وقع في النفس ، ولا أخفيك سرّا إنّي أشعر بـ(ظلّي هناك) و(وشْمٌ بالذاكرة) الأقرب الى قلبي، ولا أنسى مجموعتي الأخيرة (قتامة الصبح)، فهي مخطوطة ناهضة ـ بإذن الله ـ وقد اشتملت على أربعة وثلاثين نصا ، وقد قدمت لها الأستاذة الدكتورة أمل سلمان حسّان ، وسترى الضوء الشاسع قريبا.
* أضافك الناقد علوان السلمان الى الشعر الكرد في إصداره النقدي، فهل انت حقا من الشعراء الكرد؟
ـ اتصل بي الزميل الناقد علوان السلمان بهاتفه المحمول ، وقال لي «إنّي وضعتك مع الأدباء الكرد»، فقلت له: هذا شرف لم أنلْهُ بعد.. فأنا كنانيّ الأصل وبهذا الخصوص أقول:
وأنا كِنانيٌّ ألوذُ بهامةٍ
خَصْراءَ أمْطرتِ البوارقَ جُودا
أيُّ انبعاثٍ سَادَ مُنذ ولادةٍ
أوْدَعتُ في تلك الضفافِ جُدُودا
وبقي شيء لا بدّ من قوله ،وهو أنّ أمّ جدي (مريم الحيدر) هي من أصول كرديّة و سمّت جدي باسم أعجميّ، وهذا ما جعل صديقي العلوان يعتقد بأنّي كرديّ، وهنا نكتة لا بدّ من استنطاقها، وهي أنّك اذا وجدت رجلا يحمل اسم محمد وهو هنديّ، فهل يمكن لك ان تجعله عربيّا؟ وهناك قبائل عربيّة مستكردة، وهناك ايضا قبائل من الكرد المستعربين والشواهد كثيرة، لمن أراد البحث والاستقراء.
* أ النقد حاضر ام غائب عن الساحة؟ وما تأثيره؟
ـ ما صدر من كتب نقديّة حديثة يؤكد ديمومة النقد ووجوده ، لكن النقد في العراق والوطن العربي خاضع للعلاقات والإخوانيّات في الأعم الأغلب ، وعدم وجود نقد يشير الى مواطن الخلل في بنية النص إنْ وجد ، حتى أن بعض المحاولات لنقاد متمرسين في الاشارة الى جوانب معتمة في النص ، تذهب سدى لعدم تقبّل الطرف الآخر ، للآن أذكر ناقداً مهما كتب عن إحدى مجاميعي ، فأراد أنْ يكتب شيئا ليس لصالحي ، فطلب موافقتي .. فوافقت على الفور وقلت له: أكتب ما تشعر به دون الرجوع اليّ.
– في العام الحالي، وخلال اسبوع واحد، أقيمت ٤ مهرجانات شعرية، أ يوجد تخبط ام ثراء؟
ـ لا أذكر أنّ هناك أربعة مهرجانات قد أقيمت خلال أسبوع ، ولكنّ إنْ حدث ذلك ، فهو دليل على تخبّط واضح في المؤسسة الثقافيّة دون شكٍّ. فالمهرجانات التي تقام في بغداد والمحافظات ، هي فرصة للتلاقح المعرفي ، والإفادة من التجارب الشعريّة فيما يتعلّق بالشعر ، والوقوف عن كثب منها، ونتمنى من القائمين عليها ، إبعاد القراءات الخافتة التي تساهم في زيادة أعداد الطارئين.
* هل كتبت أنواع الشعر الجديد: الحر، قصيدة النثر؟
ـ نعم، كتبت قصيدة التفعيلة، والقصيدة النثريّة، وأجد نفسي في النص العمودي ، فهو قريب مني ، ويمكنني القول إنّ النصوص النثرية لاتخلو من سرد ، والأهم هو وحدة الموضوع ، فالكثير من النصوص تفتقر الى الشرط الأخير لشعورك بأنّ الشاعر يكتب عن كوكب آخر، منتشيا في مفرداته الى تخوم الفضاء.
* اي شاعر تأثرت به أكثر من غيره؟ ومن تأثر بك؟
ـ تأثرت بالمتنبي كثيرا، وما زال التأثير موجوداً، وقد أخترت من ديوانه الكبير ألفا وسبعمئة وأربعةَ وسبعين بيتا ، لهنّ صدى في نفسي، وتأثرت ايضا بالنصوص الجميلة لشعراء كبار كأبي فراس الحمداني في (أراك عصي الدمع) وبودلير وشوقي في بردته من الوافر «أبا الزهراء قد جاوزت قدري».. وغيرهم. أمّا من تأثر بي فلا أدري ومن قال لا أدري أصيبت مقاتله.. ولكن التأثر بي واضح، فقد أصدرت مجموعتي قبل مدة من الزمن ووجدت إصدارين بعناوين قريبة من عنوان مجموعتي.
* هل يعيش الأدباء على الإعلام؟ وهل هم دخلاء عليه؟
ـ الكتابة الابداعية لها طقوسها، فهي موهبة وبمعنى أدق هي هبة الله، فلا يمكنك أنْ تكون شاعرا او روائيا، وإنْ امتلكت لأدوات وآلات الكتابة، ولديّ رأي بهذا المجال، إن سمحت لي، فالإنسان الآكاديمي أو غير الآكاديمي كلّما ازدادت قدرته المعرفية ، ضعفت عنده الموهبة ، وبالرجوع الى سؤالك أقول بامكان أيّ شاعر أو روائي أن يكون اعلاميّاً ، والعكس ليس صحيحا أبداً ، ويستطيع الأديب أن يكتب ويعيش على الإعلام غير متطفل لقدرته على الكتابة، وكما قال غابرييل يوما أنا موظف كتابة، وليس كدخيل، إذا احب الصحافة فله القدرة على كتابة الحلقات وإعداد البرامج وغير ذلك.
* من ساعدك على الشهرة: الإعلام ام الشعر؟
ـ الشهرة لا تأتيك دون أنْ تكون لك القدرة على الإبداع ، ولاننسى بأنّ للإعلام دورأ في إيصال صوتك الى الجمهور، وبالتالي فالإبداع لاعب رئيس ، والإعلام لاعب مهم في تسليط الاضواء على المبدع ، ونقل العميلة الإبداعية من مكان ضيق الى فضاء شاسع.
* كلمة أخيرة.
ـ لا بدَّ من التوجه بالشكر الجزيل والثناء المديد الى صحيفة (المراقب العراقي) لدورها الريادي الكبير في زيادة الوعي الثقافي والمعرفي، وكذلك للصديق الزميل حيدر الجابر على تجشّمه عناء كتاب اللقاء وإعداد الاسئلة، وأود نشر قصيدتي التي قرأتها في مهرجان الجواهري الأخير مع شكري وتقديري الكبيرين.
ولئنْ عَفَوتَ عن الحوادث..
لم تكترثْ أبداً وَحَولك جائع
يَسْتلهمُ الموتى يَئنُّ يُصارعُ
وَيَبِيتُ أدنى الليلِ يَبْلغُ شأوَهُ
من دونِ شكٍّ أرهقتهُ شرائعُ
ما بالُ قلبي قد تقمّصهُ العَفَا
والى جواركِ شيّعتهُ مَدامعُ
ويقيم في شِسْعٍ تَخلّلهُ الأسى
حتى تمرّدَ في اغتيالِك شارعُ
وتجشّمُ الأمصارِ لمّا أبصرتْ
عيناك دَرْباً .. هل يقودكُ ضائعُ
من مات فيك ..
قدِ ارتوى عَطَشاً تفجّر ما تردّدَ
في انتشالِك نَابعُ
يَسْتهجنُ الأيامَ لولا بعضُ عمرٍ
في احتواءٍ ضيّعتهُ مَخَادِعُ
ما عاد لي ربٌّ أذا جنّ الهوى
قد كنتَ تُخْفيهِ وليلُكَ سَاطعُ
ولئنْ عَفَوتَ عن الحَوَادثِ..
رَحْتَ تنأى
لم تَغِبْ عن ناظريكَ مصارعُ
لي جَنّةُ المأوى ..
وخيباتي التي طفحت
كأنّ الله فيك يُصانعُ
وعدوتَ تستدعي النذورَ
ولم تكن غيرَ ارتكابٍ ..
قد تسمّرَ طالعُ
ألقيتَ رأسَك فوق كتفٍّ
يا لرأسك من عسيرٍ أنهكته صوامعُ
حتى استويتَ وكان آخرُ همِّنا
ان نفتديك لعلَّ فوزَك رائعُ
لم تسترحْ ابدأ ..
وحولك جائعُ
يستأثر الحزنَ القديمَ ..يطاوعُ
ويبوح سرّاً لم تنازعْهُ المُنى
في كلّ نَجْوى ..
غير أنّك شائع
وعلى يمينك تَسْتظلَّ قيامةٌ
بالناقمين ..
لَبِئسَ جيلٌ خانعُ
ما قال : كلّا
يوم أقفلَ راجعاً
في « فرزِ صوتٍ» باعَدَتهُ أصابعُ
ما زال للسرّاقِ دِينّ حافلٌ
من أينَ ..؟ لا أدري وتلك فظائعُ
لو جاء يَسْتجدي الخِلافةَ بيننا
في ألفِ مروانٍ ..
أتاك يُبايعُ
يستأنسُ الأشياءَ دون وليجةٍ
كهلالِ شوّالٍ رعتهُ مراجعُ
يا أنتَ ..
يا كلَّ العصورِ لو انزوتْ
ما بين تأريخٍ غشتهُ زوابعُ
أعطيتني سبباً ..
لأشربَ نخبَ جهلٍ
ربَّ جهلٍ للصحيح يُقاذِع
ولقيتني كالريح أتبعُ مارداً
مُستغرقاً ..
ولنا فضاءٌ شاسعُ
لكنّما الأيّامُ حَلّتْ مثلَ وجهٍ
قَمْطَريرٍ ..
قد نَعَاه مُخادِعُ
قد ضقتُ ذرعاً بالحياةٍ
وما اشتكى ..
حتفٌ بغيضٌ خَلْفنا يتدافعُ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى