اخر الأخباراوراق المراقب

كيف أصبح الأشخاص المزيّفون مؤثرين حقيقيين؟

يشهد العالم الرقمي في السنوات الأخيرة تحولًا عميقًا لم يعد يقتصر على تغيّر المنصات أو تطور أدوات النشر، بل بات يمس جوهر العلاقة بين الإنسان والصورة، وبين الجمهور والحقيقة، وبين التأثير والثقة. ففي السابق، كان مفهوم “المؤثر” يشير إلى شخص حقيقي يمتلك حضورًا اجتماعيًا أو جاذبية بصرية أو خبرة في مجال ما، ثم يستخدم هذه العناصر لبناء جمهور والتأثير في سلوكه الشرائي أو الثقافي أو الرمزي. أما اليوم، فقد أصبح من الممكن تصنيع هذا المؤثر بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي: وجهٌ غير موجود، وصوتٌ غير حقيقي، وسيرةٌ ملفقة، وحياةٌ يومية مُركّبة، ومع ذلك كلّه يحصد المتابعين، ويبرم الشراكات الإعلانية، ويقنع الناس، ويؤثر فيهم بالفعل.

هذه الظاهرة ليست مجرد تطور تقني عابر، بل تعبير عن لحظة حضارية وإعلامية شديدة الحساسية. فنحن لا نعيش فقط عصر “المحتوى الكثير”، بل عصر “المحتوى الاصطناعي الكثيف”، حيث تتزاحم النصوص والصور والفيديوهات والأصوات المُولدة آليًا في منصات التواصل إلى درجة أرهقت قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقي والمصنوع. وفي هذه البيئة المشبعة، لم يعد السؤال الوحيد هو: “هل هذا حقيقي؟”، بل ظهر سؤال أكثر إزعاجًا: “هل ما زال يهم أصلًا إن كان حقيقيًا أم لا؟”

أولًا: اقتصاد الانتباه بوصفه التربة المثالية للمؤثر الاصطناعي

لفهم كيف أصبح “الشخص المزيف” مؤثرًا حقيقيًا، لا بد من البدء من البيئة التي سمحت بذلك: اقتصاد الانتباه. تعيش منصات التواصل اليوم على منطق شديد القسوة: كل منشور يدخل في معركة خاطفة من أجل خطف انتباه المستخدم خلال ثوانٍ معدودة. لا وقت للتأمل، ولا مساحة للتثبت، ولا طاقة لدى الجمهور للتدقيق العميق. كل شيء يتحرك بسرعة، وكل شيء يتنافس على لحظة بصرية أو انفعالية قصيرة.

في هذا السياق، لم يعد النجاح في المنصات قائمًا فقط على جودة المحتوى، بل على كثافته وتكراره وتكيّفه السريع. لقد تبنت العلامات التجارية والمؤثرون أسلوبًا يشبه “الرش العشوائي” للمحتوى: منشورات كثيرة، زوايا متعددة، نفس الفكرة بصيغ مختلفة، ونفس المنتج في أماكن وملابس وإضاءات متنوعة، على أمل أن تلتقط الخوارزمية واحدة منها وتدفعها إلى الانتشار الواسع. لم تعد المسألة “رسالة” بقدر ما أصبحت “قصفًا مستمرًا”.

وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي كحل مثالي من منظور السوق. فبدلًا من تكبد كلفة التصوير، والإعداد، والمكياج، والإخراج، والسفر، وإعادة التصوير، وتنسيق الإعلانات مع مؤثرين حقيقيين، يمكن إنشاء مؤثر افتراضي بالكامل، ثم إنتاج عشرات أو مئات المقاطع له بسرعة كبيرة، مع تعديل المواقع، وزوايا التصوير، والملابس، والخلفيات، وحتى اللهجة أو النص أو التعبير الوجهي، وكل ذلك بكلفة أقل ومرونة أعلى.

ثانيًا: من المؤثر البشري إلى المؤثر التركيبي

كان المؤثر البشري في بدايات ظاهرة “الإنفلونسر” يعتمد على عناصر ملموسة: الشخصية، والقصّة، والخبرة، والحضور، وطاقة التواصل. وحتى حين كان أداؤه مصنوعًا أو مبالغًا فيه، فإن أساسه ظل بشريًا. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان فصل “الوظيفة التأثيرية” عن “الوجود الإنساني”. لم يعد ضروريًا أن يوجد شخص حقيقي خلف الصورة حتى تتحقق الوظيفة: جذب الانتباه، خلق الثقة، تحفيز الرغبة، ودفع المتابع إلى الشراء أو التقليد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى