اراءالنسخة الرقمية

الأخلاق وما بعد هذه المفردة

د. ذوالفقار عبد الحسين

يمكن القول أن الاخلاق – جمع خلق، والخلق هو صفة راسخة في النفس تدعوها إلى فعل الخير وبهذه الصفة يمتاز الانسان عن سائر المخلوقات إذ أن ما سوى الانسان لا يدرك قيمة هذه الصفة ولا يهتم بها بل لم يؤهله الله تعالى للتحلي بها، أن الأخلاق قيمة إنسانية تكتسب صفات أخرى من أهمها مكارم الاخلاق، الأخلاق هي شكل من أشكال الوعي الإنساني يقوم على ضبط وتنظيم سلوك الإنسان في جميع مجالات الحياة الاجتماعية من دون استثناء في المنزل مع الأسرة وفي التعامل مع الناس، في العمل وفي السياسة، في العلم وفي الأمكنة العامة. تعد الأخلاق أساس بقاء المجتمعات، وهي المؤشر على انهيار أية أمّة أو استمرارها، لأنّ انهيار الأخلاق هو انهيار لكيانها، والدليل قوله تعالى: (وَإِذا أَرَدنا أَن نُهلِكَ قَريَةً أَمَرنا مُترَفيها فَفَسَقوا فيها فَحَقَّ عَلَيهَا القَولُ فَدَمَّرناها تَدميرًا) تعد مكارم الأخلاق بناء شيّده أنبياء الله عليهم السلام، وقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حتى يُتمم ذلك البناء، من أجل أن يكتمل صرح مكارم الأخلاق، كما أنّ امتلاك الإنسان للأخلاق دون امتلاكه للدين هو أمر لا فائدة منه، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ مكارم الأخلاقِ) وفي اختيار الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم أن تكون الغاية من بعثته هي الدعوة لمكارم الأخلاق، فقد بيّن الرسول عليه السلام بهذا الأسلوب مدى أهمية الخُلق، على الرغُم من وجود العديد من الأمور الأهم من الأخلاق مثل: العقيدة، والعبادة ..قال العلاّمة ابن فارس: (الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملامسة الشيء) أي الأخلاق في الاصطلاح هي هيأة راسخة في النفس، يصدر عنها العديد من الأفعال بشكل سهل ومُيسّر، دون الحاجة للتروي أو التفكير، والأخلاق في مضمونها الإسلامي تعد من سمات المؤمنين الصالحين، حيث تساعدهم على تجنب الوقوع في العيب، واللوم، والنقد، ولا تجعل صاحبها يميل إلى الخطيئة أو الإجرام، لأنّ الأخلاق تُعد من الهدى النبوي، والوحي الإلهي، وهي خُلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وأنه بناء على ما تقدم من كل هذه المواقف، والنقاش والجدل الذي جسده الباحثون في علم الأخلاق المبني في صورة الواقع،ولما تثيره مفردة الأخلاق، هناك «مبدأ التقييم» يستخدمه الجميع. الأخلاقيون الذين يمنحون القيمة الأعلى للصورة، والأخلاقيون الذين يمنحونها للمضمون أو اللا أخلاقيون الذين يمنحون القيمة لما يعتبرون أنه أسمى وأعلى من الأخلاق نفسها كشيء تواضع عليه البشر، مثل الحياة أو الحب أو الصداقة أو المصلحة العليا أو المعنى أو أي شيء آخر. جميعهم يمارسون الشيء نفسه، إعطاء القيمة للأفعال والمواقف ضمن مفهوم الاخلاق . إن صورة الفعل الأخلاقي يُمكن أن يمليها التاريخ والمجتمع والثقافة على الإنسان، فما هو أمرٌ وإملاءٌ أخلاقي يتحدد بالوعي والثقافة، وهذا لا يعني أن الأخلاق منتج فكري وثقافي لا علاقة له بالواقع المادي، وإنما المقصود أنه يوجد في هذا المستوى، ويمارس تأثيره على الفرد من هذا المستوى، مستوى الوعي والثقافة، بغض النظر عن الظروف المادية التي أنتجت أو ساهمت في إنتاج وتشكيل هذا الوعي وهذه الثقافة.

لم تعد الأخلاق في عالم اليوم بمستواها الملتزم، لسبب بسيط وواضح هو أن الإنسان لا يعيش في العالم الأسطوري، بحيث يقف متعاليا على جميع الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية، هذا هو معنى أن التقييم لا يشتغل في الفراغ أو في السماء. عندما أقرر أن أعتلي قيمة الالتزام بالقانون في مقابل التعاطُف والشهامة، فإن ذلك يتم في سياق ثقافي واجتماعي. مثلاً إذا كنت في مجتمع ريفي عشائري، فإن الالتزام بالقانون خصوصا قانون الدولة الحديثة لا يملك نفس قيمة الولاء للأهل والعشيرة. فقد يقع الإنسان في هذا الوضع تحت ضغط أنظمة وعادات وتقاليد مختلفة ومتعارضة من الأوامر والإملاءات «الأخلاقية». في أُطر كهذه يشتغل مبدأ التقييم. ما الذي يُمكن أن تخسره «أخلاقيا» بالولاء لقانون أو لمبادئ لا تنتمي إلى السياق الاجتماعي، أي ما هو «العيب والنقص وربما العار» الذي قد يلحق بك جراء امتلاك أخلاق مغايرة . وبغية نيل الخير والصلاح- وتحقق مقررات وضوابط القيم الأخلاقية, التي تستمد تعاليمها من الاديان السماوية أو النظم الاجتماعية وأحيانا من الطرفين. وفي كل الاحوال فان الاباء والأمهات والذين يتولون التربية للجيل الجديد خاصة يجب أن  يأخذوا على عاتقهم مسألة ايصال هذه التعليمات لأبنائهم أو لمن يتولون تربيتهم وبمعنى أصح انهم يتحملون مسؤولية حمل هذه المبادئ لأبنائهم وتلاميذهم لبناء المجتمع والتحلي بالخلق الرفيع… والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى