منهجية المعرفة وإثبات وجود إله للكون

لا شك أن البحث عن كيفية تكون الكون، وكيفية نشوء الأنواع الحية، وكيفية سلوك الأجسام والجسيمات والإلكترونات والفوتونات والكواركات وسائر الموضوعات الطبيعية، لا يرتبط جوهريا من قريب أو بعيد بمسألة أن هناك إلها أوجد العالم ويدبره، أو لا، لأن البحث عن كيفية نشوء الكون وكيفية عمله سيبقى علماً قائماً، سواء كان هذا النشوء وهذا العمل مستنداً إلى إله عاقل ومنظم، أم أنه كان وليد حدث اتفاقي أعمى، إذ إن الفيزياء والبيولوجيا لا تنظران إلى موضوعاتهما، إلا من حيث إنها موضوعات العالم الطبيعي بوصفها أجساماً أو كائنات حية ناشئة ومتكونة وتتصرف بنحو مخصوص، ومن ثم ينصب البحث على اكتشاف كيف نشأت وكيف تعمل ونحو ماذا تتجه، سواء كان المسؤول الأول عن كل ذلك هو الإله أم أي شيء آخر، فإن هذه النقطة ستكون أجنبية عن الجهة التي ترعاها العلوم الطبيعية بما هي علوم طبيعية..وإذا كان هناك إله مسؤول عن إيجاد الطبيعة والكون وتدبيرهما، فإن ذلك لن يغير من طبيعة البحث العلمي الطبيعي وحقيقته ومساره بأي نحو من الأنحاء، فإن النظر والبحث حول كيفية عمل الطبيعة وإن كانت في النهاية استكشافاً لفعل ذلك الإله، إلا أن المتخصصين في العلوم الطبيعية وحينما يكونون في مقام الكشف عن مسائلها الفيزيائية أو البيولوجية أو الكيميائية، فإنهم لا يلاحظون بأي نحو من الأنحاء جهة ارتباطها بالإله، وذلك لأنها جهة غريبة لا تقدم أو تؤخر بالنسبة إلى موضوع البحث والغاية منه، مثلما أن البحث العلمي في البيولوجيا مثلاً لا ينظر من قريب أو بعيد إلى الحقائق الفيزيائية حول الذرات ومكوناتها، رغم أن عمل الكائنات الحية لا يخرج في النهاية عن كونه تطبيقاً للقوانين التي اكتشفتها الفيزياء، ولكن طبيعة الموضوع وجهة البحث وكيفية اكتشاف المسائل في البيولوجيا لا تمت جوهرياً من قريب أو بعيد إلى مسائل البحث الفيزيائي، ولذلك لا تكون منظورة على الإطلاق خلال البحث العلمي في البيولوجيا، ولا يسعى الباحث البيولوجي بما هو بيولوجي إلى الكلام عنها، أو استخدام البحث البيولوجي، بل لا يمكنه أصلاً القيام بذلك، وإلا كان كمن يحمل الماء أو يسقي زرعه برماد..فالملحدون يخوضون صراعاً تاريخياً مع الإلهيين، كان هذا الإعراض مادة دسمة لترويج التنافي، وعدّ أن العلم قاد إلى نفي الوجود الإلهي، أو استغناء العالم عن الإله، والحال أن غاية ما فعله العلماء الطبيعيون في إعراضهم عن إدخال فكرة الوجود الإلهي في عمل الطبيعة هو أنهم بينون أنها ليست داخلة بشكل جوهري ضمن مباحث العلم الطبيعي، ولا يحتاج إليه في مقام وصف الطبيعة من الجهة التي يتوخى البحث الطبيعي النظر إلى الطبيعة من خلالها..فالمشكلة الأساس بالنسبة إلى الملحدين ليست في أصل وجود إله، ولا في كون الطبيعة بما فيها من قوانين توجب أن تكون صنعاً لإله، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن لهذا الإله تدبيراً فعلياً لأحداث الكون يؤثر على الإنسان، وبالتالي فعلى الإنسان أن يخضع لهذا الإله تأثيراً على سير حياة الإنسان..ولكن هل العلوم الطبيعية هي المصدر الوحيد للمعرفة العلمية، أو أن العلوم الطبيعية المبنية على التجربة الحسية وعلى البراهين المتكون منها تشكل جزءاً من مجموع مصادر المعرفة والعلوم البرهانية؟ إن الجواب على هذا التساؤل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم من خلال العلوم الطبيعية نفسها، بل يتم من خلال البحث في نظرية المعرفة فقط، وهو بحث فلسفي واختصاص مستقل لا يدخل ضمن اختصاص عالم الفيزياء أو البيولوجيا، أو غيره من العلماء الطبيعيين بما هم علماء طبيعيون، هذه نقطة جوهرية وأساسية سنأتي عليها لاحقاً في بيان مفاتيح العلاج.



