الاخيرةالنسخة الرقمية

«الإنسان الرقمي».. خفايا الدهشة وصناعة الجديد

يشهد العالم اليوم تحولات كبرى لا يمكن أن تقاس بما سبقها في التاريخ الإنساني، تحولات مذهلة تتمحور بشكل رئيس في ثورة الاتصالات والمعلومات التي أنتجت لنا صناعة جديدة تقوم على أجهزة تقنية بالغة الدقة والتعقيد،
ساهمت في تحقيق تقارب شديد التداخل تنصهر فيه سعة المكان مع ثواني الزمان، كما أوجدت هذه الثورة أنماطاً من التواصل بين الناس يقضون فيها ساعات يومهم بانهماك شديد، يكشفون أسرارهم من خلالها بشغف عظيم، ويستعرضون كل خبايا حياتهم أمام الجماهير الهائلة من الشعوب الافتراضية، الموسومين بأرقام أو (كود) سري يميزهم عن غيرهم ويمنحهم جنسيتهم المزدوجة والعابرة للقارات في آن. إن هذا الحال باختصار؛ أقرب ما نسميه بعصر: الإنسان الرقمي. مصطلح الإنسان الرقمي فيه دلالات كثيرة، فمنذ أن أطلقه قبل نحو عقدين مارك برنكسي وبالتحديد في 2001م، ونحن لم نستوعب معنى أن تكون إنساناً رقمياً ذا قيمة مادية أو كسلعةٍ في إطار جسدٍ بشري يتفاخر بطبيعته المميزة عن بقية المخلوقات، ومهما حاولنا أن نهمّش حاجتنا الملحّة للتقنية الشبكية وثورة المعلومات والاتصالات، إلا أننا نُقدم وبشجاعة أقرب للتهور لتلك المنتجات، وأحياناً دون تفكير بالضرر أو التريث للنظر في المآلات، الدافع لهذا الجنون المتعقّل هو شغف الدهشة، ويا لها من دهشة ممتعة وفريدة، فبمجرد نقرات أو لمسات على جهاز بحجم الكف، نستطيع التجول بسرعة في كل جوانب العالم وزوايا الأفكار وخفايا المجتمعات، نرى ونسمع ونقرأ ونضحك ونلعب ونشتم ونمارس هواياتنا ورغباتنا في ثوانٍ وبأسعارٍ زهيدة لا تذكر، أليست هذه الحالة من أهم لحظات الدهشة التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان عبر الأزمان ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى