السَّكِينة..طُمأنينة النَّفْس

معنى السكينة الاطمئنان والدّعة، وما يزيل كلّ أنواع الشكّ والتردّد والوحشة من قلب الإنسان، ويجعله ثابت القدم في طوفان الحوادث. ويمكن أن يكون للسكينة جانب عقائديّ فيُزيل ضعف تزلزُل العقيدة، أو يكون لها جانب عمليّ بحيث يَهب الإنسان ثباتَ القدم، والمقاومة، والاستقامة، والصبر..فالسَّكينة من السكون خلاف الحركة، وتُستعمل في سكون القلب، وهو استقرار الإنسان وعدم اضطراب باطنه في تصميم إرادته، على ما هو حال الإنسان الحكيم صاحب العزيمة في أفعاله، والله سبحانه جعلها من خواصّ الإيمان في مرتبة كماله، وعدّها من مواهبه السامية..وبيان ذلك أنّ الإنسان بغريزته الفطرية يُصدر أفعاله عن التعقّل، وهو تنظيم مقدّمات عقلية مشتملة على مصالح الأفعال، وتأثيرها في سعادته في حياته والخير المطلوب في اجتماعه، ثمّ استنتاج ما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن يتركه.
وهذا العمل الفكريّ إذا جرى الإنسان فيه على أسلوب فطرته ولم يقصد إلّا ما ينفعه نفعاً حقيقياً في سعادته، يجري على قرارٍ من النفس وسكونٍ من الفكر من غير اضطرابٍ وتزلزُل، وأمّا إذا أخلد الإنسان في حياته إلى الأرض واتّبع الهوى، اختلط عليه الأمر، وداخلَ الخيالُ بتزييناته وتنميقاته في أفكاره وعزائمه، فأورث ذلك انحرافه عن سُنَن الصواب تارة، وتردّده واضطرابه في عزمه وتصميم إرادته وإقدامه على شدائد الأمور وهَزاهِزها، أخرى.والمؤمن بإيمانه بالله تعالى، مستنِدٌ إلى سِنادٍ لا يتحرّك وركنٍ لا ينهدم، بانياً أموره على معارف حقّة لا تقبل الشكّ والريب، مُقدِماً في أعماله عن تكليفٍ الهي لا يُرتاب فيها، ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته، أو يحزن لفقده، أو يضطرب في تشخيص خيره من شرّه.
وأمّا غير المؤمن، فلا وليّ له يتولّى أمره، بل خيرُه وشرّه يرجعان إلى نفسه، فهو واقعٌ في ظلمات هذه الأفكار التي تهجم عليه من كلّ جانبٍ من طريق الهوى والخيال والإحساسات المشؤومة، قال تعالى: ﴿..وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران:68..وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ محمد:11..وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً..﴾ البقرة:268..والآيات كما ترى تضع كلّ خوفٍ وحزنٍ واضطرابٍ وغرورٍ في جانب الكفر، وما يقابلها من الصفات في جانب الإيمان..وثمّ قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ..﴾ المجادلة:22، فأفاد أنّ هذه الحياة إنّما هي برَوحٍ منه، وتلازِم لزومَ الإيمان واستقراره في القلب، فهؤلاء المؤمنون مؤيَّدون برَوحٍ من الله تستتبع استقرار الإيمان في قلوبهم، والحياة الجديدة في قوالبهم، والنور المضيء قدّامهم..وقد ظهر ممّا مرّ أنّه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى، أنّ السكينة رَوحٌ إلهي، أو تستلزم روحاً إلهياً من أمر الله تعالى، يُوجب سكينة القلب واستقرار النفس ورباطة الجَأْش، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر، واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الرّوح الإلهيّ.



