السمع والبصر والفؤاد نِعَمٌ إلهية لمعرفة الحقّ
تعكس سورة الإسراء في مضمونها ومحتواها العقائدي والأخلاقي والاجتماعي لوحة متكاملة ومتناسقة لسموّ البشر وتكاملهم في المجالات المختلفة. فهي وابتداءاً من الآية الثالثة والعشرين منها، تشرع بسلسلة من الأحكام أوّلها النهي عن عبادة غير الله تعالى، مروراً بالدعوة للإحسان إلى الوالدين، وإعطاء حقوق القرابات والمحتاجين، إلى النهي عن التبذير، وقتل الأولاد، والزنى، وأكل مال اليتيم، وصولاً إلى التحذير من اتّباع الإنسان ما ليس له به علم، وأنّ ذلك سيكون موردا للمحاسبة يوم القيامة، وهو قوله تعالى في الآية الساسة والثلاثين: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾..فالقراءة المشهورة ﴿لَا تَقْفُ﴾ بسكون القاف وضمّ الفاء، من قفا يقفو قفواً إذا اتّبع الشيء، ومنه قافية الشعر لكونها في آخر المصراع تابعة لما تقدّمها..وقُرئ «لا تَقُفْ» بضمّ القاف وسكون الفاء والآية تنهى عن اتّباع ما لا علمَ به، وهي لإطلاقها تشمل الاتّباع اعتقاداً وعملاً، وتتحصّل في مثل قولنا: «لا تعتقد ما لا علم لك به، ولا تقُل ما لا علم لك به، ولا تفعل ما لا علم لك به، لأنّ في ذلك كلّه اتّباعاً».وفي ذلك إمضاءٌ لما تقضي به الفطرة الإنسانية، وهو وجوب اتّباع العلم والمنع عن اتّباع غيره، فإنّ الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلّا إصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج، والمعلومُ هو الذي يصحّ له أن يقال: «إنّه هو». وأمّا المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصحّ فيه إطلاق القول بأنّه هو. والإنسان بفطرته السليمة يتّبع في اعتقاده ما يراه حقّاً ويجده واقعاً في الخارج، ويتّبع في عمله ما يرى نفسه مصيباً في تشخيصه، وذلك في ما تيسّر له أن يحصِّل العلمَ به، وأمّا في ما لا يتيسّر له العلم به كالفروع الاعتقادية، بالنسبة إلى بعض الناس، وغالب الأعمال، بالنسبة إلى غالب الناس، فإنّ الفطرة السليمة تدفعه إلى اتّباع علمِ مَن له علمٌ بذلك وخبرة بعدّ علمه وخبرته عِلماً لنفسه، فيُؤوِّل اتّباعه في ذلك بالحقيقة اتّباعاً لعلمه (هو)، بأنّ له علماً وخبرة، كما يرجع السالك وهو لا يعرف الطريق إلى الدليل، لكن مع علمه بخبرته ومعرفته، ويرجع المريض إلى الطبيب، ومثله أرباب الحوائج إلى مختلف الصناعات المتعلّقة بحوائجهم إلى أصحاب تلك الصناعات ويتحصّل من ذلك أنّه لا يتخطّى العلمَ في مسير حياته بحسب ما تهدي إليه فطرته، غير أنّه يَعُدّ ما تثق به نفسه ويطمئن إليه قلبه علماً، وإن لم يكن ذاك اليقين الذي يسمّى علماً في صناعة البرهان من المنطق. فله في كلّ مسألة ترِد عليه إمّا علمٌ بنفس المسألة، وإمّا دليل علميّ بوجوب العمل بما يؤدّيه ويدلّ عليه، وعلى هذا ينبغي أن يُنْزَلَ قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..﴾. فاتّباع الظنّ عن دليل علميّ بوجوب اتّباعه اتّباعٌ للعلم كاتّباع العلم في مورد العلم. فيؤول المعنى إلى أنّه يحرم الاقتحام على اعتقاد أو عمل يمكن تحصيل العلم به إلّا بعد تحصيل العلم، والاقتحام على ما لا يمكن فيه ذلك إلّا بعد الاعتماد على دليل علمّي يجوّز الاقتحامَ والورود، وذلك كأخذ الأحكام عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، واتّباعه وإطاعته فيما يأمر به وينهى عنه من ربّه، وتناول المريض ما يأمر به الطبيب، والرجوع إلى أصحاب الصنائع في ما يرجع إلى صناعتهم، فإنّ الدليل العلمي على عصمة النبيّ دليل علميّ على مطابقة، ما يخبر به أو ما يأمر به وينهى عنه، الواقعَ، وإصابة من اتّبعه الصوابَ، والحجّةُ العلمية على خبرة الطبيب في طبّه وأصحاب الصناعات في صناعاتهم حجّة علمية على إصابة من يرجع إليهم في ما يعمل به. ولولا كون الاقتحام على العمل -عن حجّة علمية على وجوب الاقتحام- اقتحاماً علمياً، لكانت الآية قاصرةً عن الدلالة على مدلولها من رأس، فإنّ الطريق إلى فهم مدلول الآية هو ظهورها اللفظيّ فيه، والظهور اللفظي من الأدلّة الظنّية، غير أنّه حجّة عن دليل علمي، وهو بناء العقلاء على حجّيته، فلو كان غيرُ ما تعلّق العلم به بعينه ممّا لا علمَ به مطلقاً لكان اتّباع الظهور ومنه ظهور نفس الآية- منهيّاً عنه بالآية، وكانت الآية ناهية عن اتّباع نفسها فكانت ناقضة لنفسها.



