قراءة نقديّة في نصّ «قرار» للكاتبة السّوريّة خديجة السّيّد

ميَّادة مهنَّا سليمان/ سورية
عندما بلغتُ عتبة الصبا، أهدوني كتاباً عن الطبخ، مزقت صفحاته الآلهة ميتيس وابنتها أثينا، وتربعتا بين دفتيه.
نبدأ من العنوان(قرار) وهو (اسم)، مصدر قَرَّ، وقد عرَّفَ نيجرو القرار: بـ»أنَّهُ عمليَّة اختيارٍ واعٍ لبديل بين البدائل المُمكنة في موقفٍ معيَّن.»
وعرَّفَهُ هاريس: بـ» أنَّهُ دراسة تحليل وتمييز للبدائل المتوفّرة والمستندة الى قيم ودلالات لاختبار بديل واحد، يتناسب و ثقة متّخذ القرار».
متن القصّة:
(عندما بلغتُ عتبةَ الصّبا)، استهلّت الكاتبة الجملة الأولى بالظّرف (عندما) الدَال على الزّمان، فنحن أمام مرحلة عمريّة حدّدتها، بمدة الصّبا/ مقتبل العمر، ولكن الجميل استخدام التّشبيه (عتبة الصّبا)، عَتَبة (اسم): الجمع: عَتَبَات وأَعْتاب وعَتَب.
العَتَبَةُ: خشبَةُ الباب التي يُوطَأُ عليها.
عتبة الشَّباب: في أوَّله، في نقطة البداية.
واستخدام العتبة هنا ليس فقط دالًّا على بداية مرحلة معيّنة من الحياة فحسب، بل فيه تلميح رائع الى أنّ أولئك المعنييّن بأمرها، مستعجلون لأمرٍ ما، نتبيّنه في الجملة التّالىة: ( أهدَوني كتابا عن الطّبخِ)، وهنا بدت لنا الحالة الّتي تطرحها الكاتبة، والّتي ستمهّد للقفلة، هي حالة اجتماعيّة، فمع بلوغ الفتاة سنّ الصّبا يبدأ توجيهها الى أمور المنزل، والاهتمام بفنون الطَّبخ، وإتقان المهارات الفنّيّة، لتكون ربّة منزل ناجحة برأيهم.
ولكن، نتساءل هنا: هل الكاتبة ضدّ ذلك؟
وما قرارها إزاء تصرّفهم إهداءها الكتاب؟
تأتينا الجملة الثّالثة (مزّقَت صفحاتِه الآلهة ميتيس وابنتها أثينا)، والآن تعصف في ذاكرتنا أسئلة أكثر عمقًا: مَن تلك الإلهتان؟ وما الغاية من ذكرهما في قصّة لها مدلول اجتماعيّ؟ وماعلاقتمها بالطّبخ؟ وكي نجد الإجابة علينا معرفة قصّة الآلهة ميتيس:
فقد طاردَها كبير آلهة اليونان زيوس، وكلّما تحوّلت الى شيء كان يتحوّل، ويلاحقها حتّى تحوّلت الى أفعى، فتحوّل الى ثعبان أمسك بها، والتفّ بجسده حولها. وتنبّأ بأنّها ستنجب له ابنة، ثمّ ابناً ينتزع ملكه، فلمّا رآها مرّة ثانية قام بابتلاعها، وهي حامل، وبعد مدة شعر بصداع، فطلب من الإله (فولكان) أن يضربه على رأسه بسيف، وعلى الفور خرجت منه (أثينا) بحلّتها الحربيّة، ودرعها و رمحها في يدها.
ولهذا ولدَت حكيمة ذكيّة، ولمّا اجتمع مجلس الآلهة، لمناقشة تسمية إحدى المدن الإغريقيّة. قررت الآلهة، لحسم الأمر بين أثينا وبوسيدون، أن يكون الفائز بينهما، مَن يأتي بعمل يكون ذا فائدة للإنسان.
سارع (بوسيدون) بإلقاء رمحه على الأرض، فظهر حصان جميل. جاء دور منيرفا، فقامت بضرب الأرض بعصاها، فنبتت شجرة زيتون مباركة.
أرادت(أثينا) أن تخبر الآلهة أنّ شجرة الزّيتون هي الأكثر فائدة، لأنّه منها نستخرج الزّيت الذي يستخدم في الأكل والإضاءة، ومن ثمارها نأكل، وبأوراقها نستظلّ. كما أنّها في الحروب كانت شرسة لا ترحم، وكانت حامية للحضارة والصّناعة والزّراعة.
وقد قامت بتعليم الصّبايا غزل ونسج الملابس، ولقّنت الشّباب فنون القتال والحرب.
وبالعودة الى الجملة السّابقة (مزّقت صفحاته الآلهة ميتيس وابنتها أثينا)، نجد أنّ الكاتبة عبّرت عن رفضها أن تكون مجرّد أنثى تهتمّ بشؤون المنزل، وتجيد فنون الطّبخ والحلويات.
وهذا لا يعني أنّها ترفض تعلّمها، أو أنّها ضدّها لكنّها استبدلتها بما هو أعمّ، وأشمل ودلّلت على ذلك بقولها: (وتربّعتا بين دفّتيه).
فقد آثرت أن تكون حكيمة كالآلهة (ميتيس)، وقويّة، شجاعة، ذكيّة، تجيد فنون الصّناعة والزّراعة كالآلهة(أثينا) الّتي ورثت الحكمة من أمّها، والقوّة بسبب ولادتها من رأس أبيها، فهي لم تمرّ بمرحلة الطّفولة، بل ولدت مكتملة حسب ما تروي الأسطورة. وهنا المعنى أشمل، وأعمّ حيث يتبيّن لنا ماذا كان قرار الكاتبة، وتجلي ذلك بتفضيلها أن تكون امرأة مدافعة عن حقوقها، ذكيّة، تلمَ بالطّبخ، والفنون، والمهارات كالحكيمة أثينا.
وبرأيي الشّخصيّ كان بالإمكان ذكر أثينا فقط، فتكون الجملة كالتّالى: «مزّقت صفحاته أثينا، وتربّعت بين دفّتَيه». ولاسيّما أنّ أثينا كانت حكيمة كأمّها، عدا عن أنّها جمعت صفات عديدة كما ذكرنا سابقًا، وبذلك يتحقّق الإيجاز أكثر، ويجنّب الكاتبة تكرار حرف العطف (الواو)، الّذي جاء في الجملتَين الأخيرَتَين فأثقل النّصّ.
اللغة
جاءت واضحة، بسيطة، مألوفة، باستثناء كلمتي (ميتيس، وأثينا) اللتين يتوجّب على من ليس لديه فكرة عنهما أن يعود للأسطورة، ولكنّهما وظّفتا لخدمة النّصّ توظيفًا ملائمًا.
الشّخصيّات
تقسم الى: شخصيّات موجودة في واقعنا (الكاتبة والأهل)، وشخصيّات خيالية (أسطوريّة) ميتيس وأثينا.
القفلة
جاءت رمزيّة، مجازيّة تمنح القارئ فسحة للخيال تجلّى بالتّشبيه: تربّعتا بين دفَّتَيهِ. وقد جاءت منسجمة مع العنوان: قرار. وهنا تبيّن لنا المغزى منه، فالكاتبة تريد إثبات شخصيّتها في مجتمع يرى المرأة ربّة منزل عليها القيام بواجباتها تجاه أفراد الأسرة، مهمّشا الجانب الثّقافيّ، الفكريّ الى حدٍّ ما عند أغلب الطّبقات.
ولكن ذكاء الكاتبة تجلّى بتسليط الضّوء على هذه القضيّة الاجتماعيّة، وتأكيدها أنّ الحكمة والثّقافة تؤدّيان دورا عظيما في الحياة، فما فائدة أن تلمّ المرأة بأمور الطّبخ، ما لم تكن ذكيّة، تجيد التّصرّف؟
ختامًا: تحيّة لكاتبة النّصّ على هذا الاختيار الجميل لموضوع قلّما تحدّث عنه الكُتّاب في قصصهم، وعلى حسن استخدامها للأسطورة وتوظيفها بشكل جمالي أظهر ثقافتها، وتمرّدها على المألوف.



