النسخة الرقميةثقافية

قراءة في رواية «النخلة و الجيران»

المراقب العراقي/ وليد غالب

ربما يكون من أصعب الأشياء المجيء بجديد عن رواية تُعدُّ من أبرز الروايات العراقية و العربية، بالذات عندما يكون قد مرَّ على صدورها أكثر من نصف قرن، لكن لا بأس بالمحاولة.صورة واقعية عن البغداديين
تدور أحداث رواية «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان في نهاية الحرب العالمية الثانية أثناء انسحاب الجيش الإنكليزي من العراق، وتتحدث عن أوضاع المجتمع البغدادي بالذات والعراق بشكل عام، وما حصل له من جوع وانعدام فرص العمل وفقدان الأمل بحياة أفضل. طبعا. من الممكن بسهولة اختصار فكرة الرواية بهذه الأسطر، لكن «الإبداع» يكمن في التفاصيل.
مكان الرواية الأبرز
بيت سليمة الخبازة بغرفه المظلمة ونخلته القميئة، وطَولة الحاج أحمد آغا التي هي «قطعة من الأرض مستطيلة مسورة بصفائح مضلعة متآكلة بلون الحناء.. ص 37». مكانان يوحيان بخراب ويأس بشكل واضح جدا.
تتحدث الرواية أيضا عن طبقتين إجتماعيتين في بغداد تلك المدة يبدو أن لا ثالث لهما في رواية «النخلة والجبران»، طبقة مرتاحة وطبقة مسحوقة، يحددهما غائب طعمة فرمان بمشهدين أثناء سقوط المطر، ففي المنطقة المسحوقة يكون تساقط المطر «كأن السماء قربة هائلة فانشقت… عاشوا في رعب الغرق وتداعي البيوت… انقطعوا عن العالم الخارجي.. ص 152».. بينما تجد المطر في المناطق المرتاحة «ونزل المطر في الكرادة أيضا، لم يكن مثل قربة انشقت، بل مثل الخراطيم التي ترش بها الحدائق.. ص 156» أيضا «في بيت الخالة نشمية غسل المطر البيت غسلا جيدا.. ص 157».. ومن الممكن بسهولة ملاحظة الفرق بين المدينتين وما فعله بهما المطر.
أما من ناحية العلاقات الإجتماعية – كما رسم فرمان في روايته – فيبدو أنه يرى أن المناطق الشعبية تمتاز بطيبة بعكس المناطق المرتاحة، فعندما تحلم رديفة بالخلاص من المحلة البائسة بتخيّل بيت كبير، تسألها بنتها عن الناس الذين سيأخذونهم معهم ويصل السؤال لخيرية عدوّة رديفة اللدود:
ـ وخيرية الحكومة الله يسلمها؟
ـ شنو شنو.. هذا حوش مو خان، قالت رديفة بعصبية.
ـ وتظل وحدها بالحوش؟
ـ خلي تظل.
ـ ولما تمطر الدنيا تطلّع الماي وحدها؟
تأفأفت رديفة في ضيق ثم قالت: زين ناخذها بس لازم تبطل من حچايه الحكومة الله يسلمها… ص 156.
بينما في الجانب الآخر نجد أن سليمة الخبازة سُرقت في ذاك الصوب ـ يقصد الكرخ ـ وفي الكرادة علّمت نشمية تماضر على التمرد وباعتها، وأيضا فإن حسين ضُرب وطرد من بيت نشمية في الكرادة أيضا. بل أن حسين لم يقتل محمود ابن الحولة إلا في «أوتيل الأمراء».
كذلك فإن ابن الحولة ومصطفى كانا كثيري التردد على «ذاك الصوب» في الرواية. وكانت شخصياتهما شريرة جدا.
مقتل الملك غازي
زمن الألم والضياع العراقي ـ متمثلا بسليمة ونخلتها ـ الذي تتحدث عنه الرواية هو بالتحديد منذ عام 1939 وحتى 1945 أي خلال مدة الحرب العالمية الثانية بالضبط، نستطيع أن نعرف ذلك من خلال فقرتين في الرواية.
الأولى: في صفحة 140 ـ 141 يقول الروائي على لسان مصطفى الدلال «راح.. كل شي راح، الصرماية راحت والإنكليز راح يطلعون» والمعروف أن خروج الإنكليز الثاني من العراق كان في عام 1945 نهاية الحرب العالمية الثانية.
والثاني: في صفحة 18 تقول سليمة الخبازة معاتبة إبن زوجها، حسين «هذا حك السنين الست الي ربيتك بيهن»، وبطرح 6 سنوات من عام 1945 يكون الناتج 1939.
ماذا حصل في عام 9391؟!
أحد أبرز الأحداث العراقية في هذا العام هو مقتل الملك غازي بحادث سيارة غريب ومفاجئ ـ اصطدمت سيارته الشخصية بعمود كهرباء فمات ـ يقول حسين في ص 46 «المستقبل راح من مات أبوية». وفي صفحة 187 يظهر مشهد (مقتل) أبو حسين ـ مرويا بلسان الراوي العليم ـ مشابها لغرابة مقتل الملك غازي «ذات يوم جاء من المدرسة فقالوا أن سيارة أبيه اصطدمت ودخلت في دكان حلاقة فقتل».
أظن أن فرمان يريد أن يقول: إن «المستقبل راح» بمقتل الملك الشاب المعارض لحكم الإنكليز، لذا نجده يقول عن حادث والد حسين «قُتل» دلالة على التعمد. ولم يقل توفي. وأيضا في هذه السنوات الست يروي التاريخ أن نوري السعيد ـ الموالي للإنكليز ـ كان في قمة استبداده السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى