الجدة
غسان محسن عباس
3
وتمر الايام متسارعة والزوجة الشابة تحرض زوجها بشكل مستمر على اهله لكنه يرفض الخضوع لتحريضها كما انه رفض رفضا قاطعا اقتراحها بإيجاد سكن مستقل عنهم حتى بعد ان تأكد من كونها صارت تحمل اول ابنائه في بطنها والذي بسببه أمتلأ البيت الصغير بالفرح والمسرة التي سرعان ما عادت لتتقوض امام استفزازات الكنة الشابة لحماتها، لكن امرا ما طرأ على هذه العلاقة جعل احلام تصبح اكثر رأفة بأم هاشم فقد كانت اختا سالم المتزوجتان تزوران امهما بين الفينة والاخرى وكانتا تستشعران اهمال احلام للمنزل فتنتفض احداهما او كلاهما عليها وتحاولان النيل منها، لكن الام كانت تتدخل وتمنعهما عن ذلك بسبب طيبة قلبها التي تمنعها من ان تجعل زوجة ابنتها عرضة للضرب او للإهانة في منزلها، وبالإضافة الى ذلك فإن وقوع حادثة اخرى قد ساهم بشكل كبير في تعزيز العلاقة بين المرأتين فقد حدث ان جاء الطلق لأحلام في ليلة بدت لأولئك الناس اظلم مما هي عليه في حقيقة الامر وكان زوجها في عمله فاحتار حماها العجوز في امره لكن زوجته انطلقت تقطع المسافات الطويلة على قدميها غير مبالية بشيء حتى وصلت الى منزل القابلة التي كانت في ذلك الحي وعادت معها، وبعد ان أمتلأ البيت للحظات بالسكون الناتج عن القلق والخوف شق صوت الحفيد الاول سكون المنزل فوصل الى اذن جدته ام هاشم لتقر عينا وتسعد مع انها كانت تود في تلك اللحظات ان يكون ابنها سالم معها ليسعد هو الاخر برؤية اول ابنائه، وبرغم ان تغيرا ملحوظا قد طرأ على معاملة احلام للجدة منذ ذلك اليوم لكنها ظلت على طبعها الاول في ازدراء هذه الاسرة وانتقاد أوضاعهم ونمط عيشهم الذي اعتادوا عليه منذ امد بعيد .ولم يتغير شيء ذو اهمية في حياة الاسرة الصغيرة مع مرور الوقت، ولكن حدث بعد مرور مدة على مجيء المولود الثاني لسالم، ان تدهورت الاوضاع الصحية لابي هاشم فاصبح يرتاد عيادات الاطباء بعدما كان يكره حتى مجرد سماع اسمائها فيما مضى من حياته، وباتت المسؤوليات الملقاة على عاتق سالم كبيرة اذ كان عليه ان يأخذ مكان والده في المناسبات الاجتماعية وان يلعب دور رب الاسرة الفعلي بعدما اصبح العجوز مريضا لا تعينه حالته الصحية على القيام بواجباته كافة، ومع ان شخصيته تغيرت الى حد كبير فاصبح اكثر نضجا عما كان عليه لكن عمل سالم ظل عائقا له في هذا الطريق، فتغيبه عن المنزل لأيام طويلة وانشغاله في جبهات القتال جعل المنزل وكأنه شبه خال من رجل يرعى شؤونه برغم ان ام هاشم ظلت تقوم بما يمكنها من الامور الضرورية في هذا المجال، وكانت تستقبل الضيوف وتعمل على ان يكون منزلها في يبدو منزلها في ظاهر الامر على اقل تقدير طبيعيا كغيره من المنازل العامرة برجالها ، لكنها كانت تدرك بان ذلك وضع مؤقت ينبغي تغييره فعزمت على ان تغير حال الاسرة وقررت ان تفاتح ابنها بما فكرت فيه من امر ، وما ان عاد من عمله في احد الايام حتى انفردت به بعيدا عن غرفتها حيث العجوز الذي اصبح طريح الفراش وزوجة ابنها التي كانت تحاول ان تتنصت على ما كان يدور بينهما من حديث من دون ان تستطيع الى ذلك سبيلا ، التفتت ام هاشم الى ابنها وقالت له :
-بني نحن كما ترى اصبحنا بعد مرض والدك بلا معين او سند .
-الله هو المعين يا اماه .
-ونعم بالله يا بني ، ولكن لا بد للبيت من رجل .
-الست رجل البيت يا امي ؟
-انت عملك اخذ كل وقتك .
وقبل ان يرد عليها او يحاول ان يقول شيئاً ما كان يدور في خلده في تلك الاثناء واصلت بصوت اشبه بالهمس :
-اسمع يا بني؛ انت رجل ولا يفترض بالرجل ان يغيب لمدة طويلة عن منزله .
تغيرت ملامحه وهو يتلفت يمينا او شمالا وكأنما خشي ان يسمع احد ما كان يدور بينهما من حديث :
-لِمَ تقولين ذلك يا اماه ، هل لاحظت شيئا على زوجتي ؟؟
-صه ، لا تنطق بشيء من هذا يا بني ، كل ما في الامر انني اخشى عليه مما يدور هناك في جبهات القتال ويعلم الله بانني اعيش في قلق كلما ذهبت الى عملك ولا ارتاح حتى اراك عائدا الى منزلك في اجازة جديدة .
تنهد وكأنما قد حرك كلامها اشياء في داخله ثم التفت اليه وقال :
-اتريدين الصدق يا امي ، انا ايضا لم اعد مرتاحا في عملي وافكر في تركه في اقرب وقت، وفكرت كذلك في عمل بديل فقد جمعت مبلغا لا بأس به خلال المدة الماضية التي عملت فيها هناك وسأفتتح دكانا لي في اقرب وقت .
شعرت ام هاشم بشيء من الارتياح عقب سماعها هذا الكلام واملت في ان يكون وجود ابنها الاصغر في المنزل نافعا لإصلاح حال زوجته التي صارت تفعل ما بدا لها دون مراعاة حرمة المنزل او الاسرة وكأنها قد استغلت مرض حماها فصارت متحررة من القيود التي عادت ما تفرض على المرأة في مثل وضعها، فاصبح تخرج تارة من دون ان تكون وجهتها معروفة وصارت تمتلك وسائل اتصال حديثة من دون ان تستشير احدا او تأخذ رأيهم في امتلاكها لهذه الوسائل، وبرغم ان الجدة كانت حذرة لأقصى حد فيما يتعلق بهذا الشأن لكنها لم تجد بدا في ان تلمح لوالد احلام الفران عن ذلك الامر لكنه تجاهل كل تلك التلميحات وظل منصتا لكلام زوجته الثانية التي كانت ترى في احلام عبئا عليها وكانت ترفض حتى التفكير باستضافتها .
مرت الايام الطوال وام هاشم تترقب عودة ابنها من جبهات القتال في مناطق العمليات العسكرية لكنه لم يعد حتى بعد ان حان موعد عودته، فجلست في مساء احد الايام وقد صارت الافكار السوداء تتلاعب برأسها كعاصفة غبار هبت في ليلة مدلهمة الظلام ولم تجد بدا من ان تتأكد من هذا الامر، فمضت الى غرفة زوجة ابنها وطرقت الباب ثم دخلت على كنتها قبل ان تنتظر ردها فإذا بها تراها وقد تمددت على سريرها وهي تخاطب احداً ما من خلال الهاتف الذي كانت تمسك به ففزعت الشابة واضطربت كالتي يتم ضبطها متلبسة بفعل مشين ثم صاحت في وجه المرأة الكبيرة في محاولة منها لكي تخبئ اضطرابها عنها :
– كيف تدخلين علي هكذا من دون استئذان ؟
-وهل علي ان اتأذن من زوجة ابني حتى ادخل عليها في غرفتها ؟
-طبعا لا، فأهل الريف لا يعرفون ما معنى الاستئذان !
ردت عليها بنبرة غاضبة فابتلعت الجدة الاهانة ولم تحاول ان ترد عليها وركزت تفكيرها على ما كانت قادمة من اجله :
-اعذريني يا ابنتِ فانا اصبحت عجوزا ولا اعرف ما افعل ، ولكني اردت ان أسألك ألم يحن موعد رجوع سالم من دوامه ؟
-لا اعرف .
ردت عليها احلام وهي لما تزل تحاول ان تداري اضطرابها، ثم تمالك نفسها وقالت بنبرة ازدراء :
-ما الغريب في ذلك ؟ عادة ما يتأخر العسكر عن مواعيدهم بسبب بعض الظروف التي يمرون بها في عملهم .



