المسار الشعري في ضوء العقيدة الإسلامية
2
ومن هنا اخذ الشعراء في توجيه مسارهم الشعري في ضوء معطيات المرحلة الجديدة مجسدين التعاليم الاسلامية والصفات النبيلة في شعرهم. من ذلك قول بجير بن زهير بن ابي سلمى في رسالة يبعث فيها الى اخيه كعب بن زهير بعد رجوه الرسول (ص) من الطائف:
فَمَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ فِي الَّتِي
تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهْيَ أَحْزَمُ
إِلَى اللَّهِ لَا العُزَّى وَلَا اللَّاتَ وَحْدَهُ
فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النِّجَاءُ وَتُسْلِمُ
لَدَيْ يَوْمَ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بمُفْلِتٍ
مِنَ النَّارِ إِلَّا طَاهِرُ القَلْبِ مُسْلِمُ
وحسان بن ثابت الذي اشتهر في الجاهلية بمدح ملوك غسان والحيرة اختص بعد الاسلام بمدح الرسول (ص). وقد كان اثر العقيدة الاسلامية واضحاً في شعره، من ذلك قوله:
نَبـيٌ أتَانَـا بعـد يَـأسٍ وفتــرةٍ
مِنَ الرُّسْلِ والأَوثَانُ في الأرضِ تُعبَدُ
فأمْسَى سِراجاً مُسْتَنِيـرًا وهَاديًـا
يَلُـوحُ كما لاحَ الصَّقِيـلُ المُهَنَّـدُ
وأنْـذَرَنـا نَـارًا وبَشَّــرَ جَنَّــةً
وعَلَّمَنَــا الإسـلاَمَ فَا للهَ نَحْمــدُ
وقول الامام علي (ع) يوم الخندق حينما قتل عمرو بن ود العامري:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ
وَنَصَرْت رَبّ مُحَمّدٍ بِصَوَابِي
فَصَدَدْت حِينَ تَرَكْته مُتَجَدّلًا
كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وَرَوَابِي
لَا تَحْسَبُنّ اللّهَ خَاذِلَ دِينِهِ
وَنَبِيّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
ويبرز لنا في عصر الدعوة الاسلامية تطور في مسار شعر الفروسية والحماسة الذي الفه الانسان في الجاهلية، لان القتال كان يمثل سجية من سجايا الرجولة، وكان الاعتداء على الاخرين يمثل الطرف المقابل للسلم والامان، ولهذا كان الشر معلماً من معالم العصر الجاهلي، فلما جاء الاسلام بمبادئه الانسانية النبيلة الجديدة تحول المفهوم القديم الذي كان ملؤه سفك الدماء والشر الى مفهوم غايتها إعلاء كلمة الله والظفر باحدى الحسنيين، فاما نصر يحقق للمقاتل السعادة، واما ميتة تكسبه الشهادة والسعادة الاخروية، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170).
من ذلك موقف عبد الله بن رواحة (رض) حين يأخذ الراية بعد استشهاده زيد بن حارثة (رض) وجعفر بن ابي طالب (رض) ويقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه
مالي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه
ولهذا كانت الاخلاق جزءا مما تعرض للانقلاب الفكري والسلوكي في ضوء العقيدة الجديدة كإعراض المسلم عن شتم الاخرين، والإعراض عن اللهو وشرب الخمر، ومغازلة النساء، والمساهمة في عمل الخير، والتسليم التام لأوامر الله، كقول عثامة زوج ابي الدرداء وقد فاتتها صلاة الفجر:
عثام مالك لاهيـــــــه
حلت بدارك داهيـــــــه
ابك الصلاة لوقــتـها
إن كنت يوماً باكيـــــــه
ومن هنا نستطيع القول ان الشعر قد تحول كثيراً بظهور الاسلام، فقد اختلفت اغراضه واساليبه ومعانيه تبعا للدعوة الالهية الجديدة التي جسدها نبينا محمد (ص)، وليس هناك ضعف كما اشار بعض النقاد المحدثين، بل هو نقلة جديدة في لغته واوزانه.



