اراءالنسخة الرقمية

«القاعدة» بخوذ أمريكية بيضاء

فاديا جبريل
دركُ المتابعُ الحصيفُ للطريقة الأمريكية في استهداف حكومات لا تساير سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل في العالم أنها تعتمد على تكرار ما هو مجرّب لدور وظيفي جديد يوائم الهدف والمرحلة، إذ مازالت ومنذ عشرات السنين إلى اليوم تستخدم سياسة غوبلز «أكذب ثم أكذب حتى يصدّقك الآخرون .. ثم أكذب حتى تصدّق نفسك»، وفي تلك السياسة تضمن تلاشي نتائج محاولات دحض تلك الأكاذيب والفبركات لأنها تكون قد أتمّت المهمة، وحققت الهدف، وتركت الساحة لتداعيات محتملة.
عبر المقولة السابقة خاضت الولايات المتحدة حروباً توسعية، أهلكت فيها ملايين البشر تحت ذرائع وأكاذيب منها «نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان»، واعتمدت خطة خلق بنية تنظيم إسلامي متطرف مرن قادر على الوجود بأشكال مختلفة وبمسميات عدة لتنفيذ عملياته بشكل ناجح ومؤثر، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً مع الـ«سي آي إيه» في توفير موارده العسكرية والمالية التي تجعله قادراً على تنفيذ أدوار ومخططات تضمن السيطرة على كثير من بلدان العالم، إما بوساطة أمريكية، وهنا يجري التعامل مع عناصره كطلّاب «حرية» أو لأنهم موجودون فيها كتنظيمات إرهابية، وهنا تخلق الذريعة لاستدعاء القوات الأمريكية لمحاربتهم كل حسب ما تقتضيه الضرورة، فكان ذلك التنظيم المسمى غربياً «القاعدة».
لقد بدأت الاستخبارات الأمريكية بتأسيس هذا التنظيم منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما صنعوا «جيش المجاهدين» «مقاتلي الحرية» في أفغانستان لقتال الاتحاد السوفييتي ومواجهة الحركات اليسارية، ونُصّب على رأس هؤلاء السعودي أسامة بن لادن في اختبار أول لمشروع «الحرب بالوكالة» يهيئ الأجواء لانتشار الفكر العقائدي وتجنيد المزيد من المقاتلين لتغدو «القاعدة» جيشاً أمريكياً بديلاً.
وحين اكتملت صورة التنظيم «الإرهابي» بعناصرها كافة بعد هجمات نيروبي ودار السلام والمدمرة «إس إس كول» في اليمن، كانت هجمات الحادي عشر من أيلول التي شكّلت إعلاناً رسمياً لبداية المشروع الجديد، أي «الحرب على الإرهاب»، والذي أتاح لواشنطن مهاجمة أية دولة تدّعي أنها على صلة بالقاعدة، كما حدث في أفغانستان والعراق، أي شكلت القاعدة في تلك الحقبة المسوغ «الشرعي» لاحتلالها المباشر وبقاء قواعدها في تلك الدول.
وفي بداية ما سمّي «الربيع العربي» أعادت واشنطن «القاعدة» إلى منطقة الشرق الأوسط بـ«لبوس مقاتلين من أجل الحرية» حتى إن كانوا من قاطعي الرؤوس وآكلي الأكباد، وحينها غيّب مسمى «القاعدة» لصالح مسميات أخرى مثل «جبهة النصرة» و«داعش».
وفي ظلّ التأثير الفعّال لمحور سوريا وحلفائها في المنطقة والذي ضيّق الخناق على قدرة أمريكا على المناورة في توفير الغطاء لعمل «جبهة النصرة» و«داعش»، على الرغم من أنها أعلنت براءتها من هذين التنظيمين عبر وضعهما على لائحة الإرهاب الدولي، باتت العلاقة الأمريكية مع النصرة وداعش تحت المجهر الروسي، إذ كيف ستغطي واشنطن دعمها لهذين التنظيمين مرة أخرى، فكان لابد من إضفاء صور براقة ليعودوا كـــ»مقاتلين من أجل الحرية».
وهنا كان ظهور ما أطلق عليه الغرب «منظمة الخوذ البيضاء الإنسانية» الوجه الآخر لجبهة النصرة -فرع سورية لتنظيم القاعدة- والتي وفّرت لها أمريكا الغطاء الدولي، وعملت على تصديرها للرأي العام على أنها مجموعة مدنية حيادية وغير متطرفة بخوذ بيضاء وأهداف إنسانية ولباس موحد، ليست مسلحة إلا بـ«الشجاعة» بهدف تمكينها من امتلاك المساحة الكافية من حرية الحركة والفبركة لخلق عناصر التعمية والتضليل ما يقود إلى كسب القدرة على المبادرة في ساحة المعارك المفتوحة على الأرض السورية، وها هي تتصدّر أية عملية تُعرض من مناطق سيطرة القاعدة عبر وسائل الإعلام الغربية.
ولإضفاء الشرعية الدولية أكثر، كان لابد من جائزة تُعطى لها، تماماً كما أعطوا ياسر عرفات جائزة نوبل للسلام عندما كانوا بحاجة له، ليصبح مطارداً ومحاصراً عندما لم يعد في جعبته ما يقدمه في ظل صمت دولي مريع، إذ كيف لحائز على جائزة نوبل للسلام أن يُحاصَر ويُعامَل كإرهابي ؟! ألا يبدو الهدف واضحاً في منح تلك المنظمة «جائزة الأوسكار» قبيل واقعة كيميائي خان شيخون ؟ أوليس هذا جزءاً من إكساب المصداقية لمسرحية أرادتها واشنطن كان لـ«الخوذ البيضاء» فيها دور «البطل» ؟!.
في تصريح لافت للناطق باسم وزارة الدفاع الروسية ايغور كوناشينكوف يردّ فيه على اتهام روسيا بقصف قافلة المساعدات في 19 أيلول 2016 في حلب، حين قال: «درسنا مشاهد التسجيلات المصوّرة من الموقع التي التقطها من يُسمّون أنفسهم «نشطاء» بالتفصيل، ولم نجد دليلاً على أن القافلة تعرّضت للقصف بذخيرة»، وأردف كوناشينكوف: «فقط ممثلو جماعة «الخوذ البيضاء» المقربون من جبهة النصرة الذين يجدون أنفسهم دائماً في المكان والوقت الصحيحين، ومصادفةً مع كاميرات الفيديو الخاصة بهم.. هم فقط من يمكنهم أن يجيبوا عمن فعل هذا ولماذا ؟!».
لقد عوّدتنا الولايات المتحدة التي ترفع شعار «الحرب على الإرهاب» على سحب تنظيم إرهابي وتعويم آخر وتضخيمه عبر بروباغندا إعلامية تصوّر قدرة تلك التنظيمات على احتلال العالم إن لم تذهب إليها مصدقاً كذبتها التي تستثمرها وتوظّفها لتوسيع مناطق نفوذها، وإلا كيف لمجموعة «محاربة» تنوء تحت الضغط وملاحقة من الاستخبارات العالمية مجتمعةً أن تدير حروباً طويلة الأمد في خمس دول معاً مثل اليمن وسوريا والعراق ومصر وليبيا إن لم تكن غرفة العمليات التي تديرها هي قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي ؟!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى