النسخة الرقمية

في ذكرى شهادتها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام» ابنة أعظم نبيّ و زوجة أول إمام وأم أينع بزغتين

السیدة فاطمة الزهراء(ع) ولدت من أكرم أبوين عرفهما التاريخ البشري، ولم يكن لأحد في تاريخ الإنسانية ما لأبيها من الآثار التي غيّرت وجه التاريخ، ودفعت بالإنسان أشواطاً بعيدةً نحو الأمام في بضع سنوات معدودات، ولم يحدّث التاريخ عن اُمٍّ كأمها وقد وهبت كلّ ما لديها لزوجها العظيم ومبدئه الحكيم، مقابل ما أعطاها من هداية ونور.
لقد عاشت السيّدة فاطمة الزهراء(ع) محن تبليغ الرسالة الإلهية منذ نعومة أظفارها، وحوصرت مع أبيها واُمّها وسائر بني هاشم في الشِعب ولم تبلغ ـ في بدء الحصار ـ من العمر سوى سنتين.وما أن رفع الحصار بعد سنوات ثلاث عجاف، حتى واجهت محنة وفاة اُمّها الحنونة وعمّ أبيها وهي في بداية عامها السادس، فكانت سلوة أبيها في تحمّل الأعباء ومواجهة الصعوبات والشدائد، تؤنسه في وحدته وتؤازره على ما يلمّ به من طغاة قريش وعتاتهم.
لقد قدّمت الزهراء(ع) أروع مثل للزوجة النموذج وللاُمومة العالية، في أحرج لحظات التاريخ الإسلامي الذي كان يريد أن يختطّ طريق الخلود والعلى في بيئة جاهلية وأعراف قَبَلية، ترفض إنسانية المرأة وتعدّ البنت عاراً وشناراً، فكان على مثل الزهراء ـ وهي بنت الرسالة المحمّدية الغرّاء و وليدة النهضة الإلهية الفريدة ـ أن تضرب بسلوكها الفردي والزوجي والاجتماعي مثلاً حقيقياً وعملياً يجسّد مفاهيم الرسالة وقِيَمها تجسيداً واقعيّاً.
وقد أثبتت الزهراء للعالم الإنساني أجمع أنّها الإنسان الكامل الذي استطاع أن يحمل طابع الاُنوثة، فيكون آية إلهية كبرى على قدرة الله البالغة وإبداعه العجيب، إذ أعطى للزهراء فاطمة أوفر حظ من العظمة وأوفى نصيب من الجلالة والبهاء،وأنجبت الزهراء البتول لعليٍّ المرتضى: سيّدي شباب أهل الجنّة وابنيّ رسول الله (الحسن والحسين) الإمامين العظيمين، والسيّدتين الكريمتين (زينب الكبرى واُمّ كلثوم) المجاهدتين الصابرتين، وأسقطت خامس أبنائها (المحسن) بعد وفاة أبيها في أحداث الاعتداء على بيتها (بيت الرسالة)، فكان أوّل قُربان أهدته هذه الاُمّ المجاهدة الشهيدة بعد أبيها من أجل صيانة رسالة أبيها من التردّي والانحراف.
لقد شاركت الزهراء(ع) أباها وبعلها صلوات الله عليهما في أحرج اللحظات وفي أنواع الأزمات، فنصرت الإسلام بجهودها وجهادها وبيانها وتربيتها لأهل بيت الرسالة الذين استودعهم الرسول(ص) مهمة نصرة الإسلام بعد وفاته، فكانت أوّل أهل بيته لحوقاً به بعد جهاد مرير، توزّع في سوح الجهاد مع المشركين والقضاء على خُططِ ومؤامراتِ المنافقين، وتجلّى في تثقيف نساء المسلمين كما تجلّى في الوقوف أمام المنحرفين، فكانت بحقّ رمزَ البطولة والجهاد والصبر والشهادة والتضحية والإيثار، حتى فاقت في كلّ هذه المعاني سادات الأوّلين والآخرين في أقصر مدة زمنية يمكن أن يقطعها الإنسان نحو أعلى قمم الكمال الشاهقة،وكانت فاطمة تدافع وتجاهد بلسانها الرقيق وأسلوبها العذب ومنطقها الرصين كما كان أبن عمها علي مرافقاً وملازما للنبي يذب عنه الحجارة وأذى قريش ويدفع عنه الصبيان عندما يلاحقونه بالحصى والحجارة فكان علي يتقيها بنفسه وكانت تشاهد تضحيات علي عن كثب وترى صمود أبيها النبي(ص) وسلم فكانت تزداد ثباتا في جهادها منذ صغرها. وكان لبكائها اسباب ودوافع كثيرة، أهمها انحراف المسلمين عن الطريق المستقيم وانزلاقهم في مهاو تؤدي الى الاختلاف والفرقة وانهيار الامة الإسلامية بالتدريج. والزهراء التي عاشت الدعوة الإسلامية ايام ابيها صلى الله عليه وآله وسلم وضحت من أجلها بكل نفيس كانت تتوقع انتصار الإسلام وتشييد صرح العدل في ربوع الدنيا كلها، ولكن غصب الخلافة والاحداث التي تلتها هدم صرح آمالها وأدخل الحزن في قلبها و روحها الطاهرة، فقد تحملت همّا ثقيلا فوق همّها وحزنها على النبيّ الاكرم(ص).
ولا شك ان رحيل سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، كانت في السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية الشريفة، لأن النبي(ص) حج حجة الوداع في السنة العاشرة وتوفي في أوائل السنة الحادية عشرة، واتفق المؤرخون على ان السيدة فاطمة الزهراء(ع) عاشت بعد ابيها اقل من سنة، علما بأنها كانت في ريعان شبابها كما كانت في اتم الصحة في حياة ابيها، نعم اختلفوا في يوم وشهر رحيلها اختلافا شديدا. فلقد روي انها عاشت بعد النبي(ص) ستة اشهر وقيل خمسة وتسعين يوما وقيل خمسة وسبعين يوما او اقل من ذلك،هکذا طوت الزهراء فاطمة سلام الله عليها صفحة الحياة لتبدأ مرحلة الخلود في عالم الفردوس ولتحيا ابدا في ضمير التاريخ ودنيا الإسلام مثلا أعلی وقدوة حسنة شامخة تتطلع اليها الانظار وتسمو في رحابها النفوس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى