الوليد بن طلال يكشف عورة الاصلاحات السعودية

مسلم عباس
نصح منجم لبناني ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان بالتخفيف من تناول الوجبات السريعة، وذلك في برنامج ساخر تبثه المؤسسة اللبنانية للإرسال «LBCI». فيما سخر منه مقدم البرنامج هشام حديد وقال: «مع كل ما يحصل في المنطقة، تنصحه أن يتوقف عن تناول الهمبرغر ؟ أنا أنصحه أن يوقف الاعتقالات السريعة، أنصحه أن يوقف السياسات السريعة، الحملات السريعة، الضربات العسكرية السريعة، ولكن ما علاقتنا بالوجبات السريعة ؟ عبر هشام حداد بطريقته الساخرة عن الوضع السياسي السعودي داخليا وخارجيا، حيث تنطلق السياسات بسرعة والقرارات مفاجئة في اغلبها، لتعكس حقيقة قوة النظام الحاكم ومدى سيطرته على مجريات الامور لا سيما مع مرحلة التحولات في منطقة الشرق الاوسط والعالم والتي تأتي في اطار اعادة ترتيب مراكز القوى الاقليمية والدولية انطلاقا من هذه المنطقة الاستراتيجية. في السياسة لا شيء ثابت إلا المصلحة، لكن التسرع في التبدل من الاسود الى الابيض ومن اليمين الى الشمال لها من المضار أكثر من الفوائد وهي تكشف للعدو والصديق عن مناطق قوة وضعف المنظومة الحاكمة، فهي في اغلب الاحوال تعني غياب الرؤية وإتباع الارتجال لا سيما مع دولة لا تزال في طور التحول من إرث الحكم شديد المركزية. محمد بن سلمان الذي انطلق بسرعة مذهلة نحو مراكز التحكم في بلاده، اصبح في غضون سنتين هو الحاكم الفعلي، بعد سلسلة من الاجراءات التي قال انها جاءت لإصلاح نظام الحكم الذي لا يتوافق من تطلعات شباب المملكة العربية السعودي، وهم يحدوهم الامل في الرفاه الاقتصادي بشكله الاوروبي، والتخلص من العادات القديمة التي تمثل عائقا كبيرا في الالفية الجديدة. أهم ما في اصلاحات محمد بن سلمان هي السيطرة على وزارة الدفاع وشن حرب على اليمن لم تحسم لحد الان، وإنشاء مجلس اقتصادي للبلاد وآخر امني بالإضافة الى اطلاق خطة استراتيجية لإصلاح الاقتصاد اسماها «رؤية ٢٠٣٠»، تهدف الى تقليل الاعتماد على النفط وإنشاء اقتصاد حديث، وبعدها اطلق مشروع مدينة نيوم الاقتصادية التي تقدر تكلفتها بـ»500 مليار دولار»، وقرارات اخرى من بينها السماح للمرأة بقيادة السيارة وتقليص صلاحيات هيأة الامر بالمعروف المختصة بتطبيق الشريعة الاسلامية على وفق رؤية المذهب الوهابي المتشدد. مشاريع ابن سلمان السريعة سمع عن مخططاتها الجميع، لكنها تفتقد لأرضية التطبيق الفعلي، وفي الاغلب لا وجود لها اصلا، فالإصلاح في حقيقته هو تكريس للسلطة، وتركيزها بأقصى حد ممكن، وبدلا من ان تكون بيد الأسرة الحاكمة وتقاسمها مع رجال الدين ارادها محمد بن سلمان ان تكون بيده هو فقط.
وتأكيدا لرغبته في اختزال الدولة بنفسه، شن الأمير محمد بن سلمان حملة اعتقالات قبل شهرين شملت رجال دين معارضين له، وأمراء في الاسرة الحاكمة، من بينهم الملياردير الوليد بن طلال، والتهمة لجميع هؤلاء هي الفساد، والهدف ان تأخذ العدالة مجراها، وفقا لمبادئ تطبيق دولة القانون الذي يأتي في سياق الاصلاح الجديد. احتجز الامراء في احد افخر الفنادق في البلاد، «الريتز كارلتون»، في اول اشارة لوجود تمييز في المعاملة بين عامة السجناء والأمراء الذين اعتبروا محتجزين فقط، برغم ان التهمة كبيرة بحجم المليارات من الدولارات التي تزعم السلطات انهم استولوا عليها بطرق غير شرعية. طوال فترة احتجاز الامراء لم يُسمع خبر احالتهم الى القضاء؛ انما تركزت التسريبات والتصريحات عن تسويات لوضعهم المالي، وكأنها جلسة عشائرية بعيدة كل البعد عن دولة يفترض انها تدخل في خانة التقدم و»العلمنة»، ايمانا من قيادتها بان تطبيق مبادئ الدولة الحديثة هو الطريق الافضل لوضع البلاد على جادة الصواب. استراتيجية التسويات افضت الى اطلاق سراح الملياردير الوليد بن طلال يوم السبت بعد شهرين من توقيفه. وقال الأمير الوليد بن طلال في مقابلة مع رويترز التي أعقبها الإفراج عنه إنه لا يزال يصر على براءته من أية تهمة بالفساد خلال المحادثات مع السلطات، متوقعا أيضا ألا يتنازل عن أي أصول، وأن يواصل السيطرة على شركاته كلها. وقبل ساعات من اطلاق سراح بن طلال، نقلت وكالة رويترز عن مصدر رسمي سعودي رفض كشف اسمه قوله إن عددا من كبار رجال الأعمال توصلوا إلى تسويات مالية مع السلطات السعودية فيما يتعلق بحملة المملكة على الفساد. وقال المصدر إن مالك مجموعة «أم بي سي» وليد الإبراهيم، ورجل الأعمال فواز الحُكير، ورئيس الديوان الملكي السابق خالد التويجري، والرئيس السابق لهيأة حماية البيئة تركي بن ناصر، توصلوا إلى تسوية مع السلطات السعودية في إطار حملة مكافحة الفساد. من الواضح ان محمد بن سلمان لا يريد محاربة الفساد ولا هو قادر على بناء دولة سعودية حديثة على وفق المقاسات الغربية، لكن هناك من ينافسه وأول من يدعو للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وخاصة المطالبة بحقوق المرأة، وهو الامير الوليد بن طلال وهو المعارض الشرس لمحمد بن سلمان، وفي فترة الاحتجاز التي استمرت شهرين يبدو ان بن طلال تم تحييده وإضعاف نفوذه وهذا ما يريده بن سلمان تحت ستار الحرب على الفساد. انها الحرب ضد الخصوم.



