التجربة الكورية .. دروس وعبر

مقداد محمد فليح
لو تمكن الإنسان من صنع آلة للزمن وكان باستطاعته العودة إلى الماضي فمن المؤكد أن الرحلة ستكون مذهلة ورائعة خصوصاً إن كانت رحلته تتضمن معايشة القصص والروايات التي تسطّرها كتب التأريخ الماضي والمعاصر والتي احتوت أغلبها على مبالغات وصفية جعلت منها أشبه بالخيال، ولكن مع ذلك فأن العديد من قصص النجاح والفشل كانت لتشكل فرصة جيدة للمسافر عبر آلة الزمن للاستفادة من تلك التجارب الإنسانية الثرية ودراسة الظروف المحيطة بها وما أنتجته للإنسانية من موروث إنساني أو علمي أو ثقافي أو غيرها، ولا يمكن لأحد تجاوز بعض التجارب الرائعة لنجاح الإنسان والأمم والشعوب في تجاوز المعوقات والتحديات والأزمات والاستفادة منها في بناء أمة وحضارة وتأريخ تفتخر به الأجيال القادمة ومن أبرز تلك التجارب الإنسانية المميزة هي تجربة كوريا الجنوبية والتي سنرحل معها في هذه السطور القليلة عبر آلة الزمن.
عاشت كوريا في ظل الاحتلال الياباني لمدة (35) عاما (من 1910 لغاية 1945) ودخلت في أتون الحرب العالمية الثانية التي اشتدت أزرها في شبه الجزيرة الكورية لغاية نهاية الحرب المأساوية بعد ضرب مدينتي (هيروشيما وناكازاكي) باستخدام قنابل نووية والتي كانت الوحيدة الرسمية التي تمت باستخدام الأسلحة النووية في التأريخ، وقد قتلت تلك القنابل ما يصل إلى (140) ألف شخص في (هيروشيما)، و80 ألف في (ناكازاكي) بحلول نهاية عام 1945 وكانت معظم الوفيات من المدنيين في المدينتين الأمر الذي أدى إلى استسلام اليابانيين وخسارتهم في هذه الحرب وانسحابهم من شبه الجزيرة الكورية في نفس العام، وقد خرجت كوريا من الحرب العالمية الثانية مقسمة الى دولتين واحدة في الشمال خاضعة للقوات السوفيتية وأخرى في الجنوب تابعة للاستعمار الأمريكي، ونشبت حرب ضروس بين الكوريتين استمرت لمدة ثلاث سنوات (1950-1953) أسفرت عن مقتل نحو (3) ملايين كوري بين عسكري ومدني وتدمير البنى التحتية ومعظم المنشآت الصناعية في كوريا الجنوبية وحرمانها من معظم الثروات الطبيعية ومعظم الصناعات الخفيفة والثقيلة التي أقيمت ابان الاحتلال الياباني، فكان على كوريا الجنوبية بناء اقتصادها وإعمارها بعد كل تلك السنوات العجاف والمعاناة والنزاعات والكوارث الإنسانية التي خلفتها الحرب، فهل استسلمت كوريا الجنوبية لظروفها الصعبة وأعلنت الحداد طويل الأمد وسقطت في فخ اليأس ؟ لم تفعل ذلك بالتأكيد واستطاعت خلال النصف الثاني من القرن العشرين بناء اقتصادها وصناعتها وتحقيق النمو السريع في الاقتصاد، مما مكنها من تحقيق تنمية شاملة بعد عقود من الحروب والدمار، واستطاعت في أقل من ثلاثة عقود تحقيق معجزة اقتصادية بالاعتماد على إصلاحاتها الذاتية وقرارات استراتيجية كبرى ومهمة ناجحة بالاعتماد على اقتصاد السوق (أو ما يسمى بالسوق المفتوح) كطريق للتنمية الاقتصادية في وقت قياسي، وبذلك ضربت كوريا الجنوبية أروع الأمثلة والتجارب وكتبت أجمل قصص النجاح في التأريخ الحديث من خلال تحقيق التنمية الشاملة والتطوير الذاتي وقيادة الصناعات المتطورة والتجارة الحرة وأصبحت قوة كبيرة لا يستهان بها.
ولم يكن نجاح كوريا الجنوبية في اختيار نظام اقتصاد السوق وإنما كيفية تطبيقه، فقد كان في منح الفرصة للقطاع الخاص لقيادة الاقتصاد أثراً كبيراً في عملية التنمية الإقتصادية، فكان القطاع الخاص شريكاً فاعلاً للدولة ولم يخرج عن الأطر التي رسمتها السياسات والخطط الإستراتيجية التي رسمتها الحكومة الكورية وأستغل الموارد المتاحة أفضل إستغلال ممكن من خلال دراسة الإمكانات المتاحة وتحديد نقاط القوة والضعف ومواءمتها مع التحديات التي تواجهها واستغلال الفرص المتاحة بناءً على تحديد أولويات المجتمع وأهدافه المختلفة وكل ذلك كان على وفق خطط مدروسة بدقة وكفاءة عالية، ولم تفوت كوريا فرصة الدعم الخارجي والتمويل والقروض الخارجية التي استغلتها في مشاريع تنموية مستدامة حققت لاحقاً فوائد كبيرة ومنها تأمين مصادر الطاقة وتحسين البنية التحتية وزيادة حجم الصادرات وغيرها، بعد ذلك تحولت كوريا إلى الاستثمار الخارجي وحفزت الشركات العملاقة إلى الدخول في استثمارات طويلة في مجالات اقتصادية واجتماعية بالتعاون الوثيق مع الحكومة ونتج عن ذلك توسع كبير للشركات ولحجم الصادرات الكورية من الصناعات الخفيفة فتغيرت استراتيجية التنمية الاقتصادية من الاعتماد على الواردات إلى أخرى تعتمد على اقتصاد موجه نحو الصادرات أدى إلى حصول كوريا على تدفقات مالية كبيرة استطاعت من خلالها منافسة الإنتاج العالمي في شتى الصناعات من خلال تحرير السوق المالي وتبنى سياسات اقتصادية أكثر انفتاحا.
هنالك عوامل اجتماعية وسياسية ساهمت بشكل كبير في كتابة قصة النجاح الكورية، ولكن النجاح الفعلي يعود إلى الوعي بأهمية استغلال الفرص المتاحة أفضل استغلال ممكن في تحقيق الأهداف العليا، وقد أدركت الحكومة الكورية ومنذ بادئ الأمر أهمية بناء الإنسان فركزت على تطوير إنتاجية عمالها وتحسين مهاراتهم لمواكبة التطورات التكنولوجية التي واكبت عمليات التصنيع السريع من خلال التدريب والعلوم فرفعت نسبة الإنفاق على التعليم كما عملت الدولة على ابتعاث عدد كبير من الطلبة والموظفين للدراسة والتدريب في خارج كوريا، وقد استفادت الحكومة من النخبة الأكاديمية من ذوي التعليم العالي في عملية التخطيط وتحديد الأهداف وتحديد وتنفيذ الاستراتيجيات اللازمة لحل مشكلات التنمية والتعليم والقضاء على الفقر وبناء اقتصاد قوي ومتطور وتأهيل الصناعة الكورية لدخول الأسواق العالمية وتحويل البلد الى قوة اقتصادية وتجارية عالمية.
إن جميع البلدان التي تروم التطور والتنمية عليها ان تستفيد من تجارب الآخرين، بغض النظر عن نجاح تجربة ما أو فشلها فهي بالتأكيد ستضفي إلى نتائج تشكل دروس للمستقبل ينبغي الاستفادة منها في بناء الحاضر والمستقبل وتتجلى نجاح الدول في مدى قدرتها على التعلم والاستفادة من التجارب السابقة، فكلما استطاعت الأمم محاكاة التجارب الناجحة ومحاولة تطبيقها طبقاً للظروف الوطنية كلما أثبتت بأنها أكثر قدرة على استخلاص العبر وقدرتها على التطور وضمان عدم الوقوع في الأخطاء السابقة، فمهمة التأريخ هي تثقيف الناس بدروس الحياة واستخلاص العبر لمواجهة الحاضر وبناء المستقبل.



