سعدون يبحث عن تعريف للوطن

غسان عباس محسن
ما الوطن؟ هل هو اقليم جغرافي متجانس المعالم؟ ام هو رقعة ارض لها خصائصها المعينة؟ ام هو منطقة لها حدود معروفة، كأن تكون جزيرة معزولة او براري متصلة لها حدودها التي تميزها عما سواها من الاراضي والمناطق؟ ام هو مدينة متصلة العمران يألفها الانسان ويعرف اكثر سكانها ان لم يكن كلهم ويشعر بالاغتراب في حال خروجه منها وابتعاده عنها؟ ام هو كيان سياسي بحدود معينة تكون بفعل سياسات الدول الكبرى و وفقا لمصالها واطماعها، أسئلة كثيرة كانت تدور في راس رجل بسيط يدعى «سعدون»، وسعدون هذا ما هو الا مواطن فقير يعيش كغيره من ملايين الاشخاص الاعتياديين الذين لا هم لهم الا عيش حياة هانئة مستقيمة، لكن كان فيه شيء ما جعله يتميز عمن سواه من المواطنين وهو انه كان يبحث بلا كلل او ملل عن تعريف واضح وصريح لهذه لكلمة «الوطن» التي هي من اكثر الكلمات التي ترددت على مسامعه طوال سنوات عمره فصارت معششة في رأسه كأنها حشرة تأبى مغادرة جحر ما ، ومع ذلك فقد ظل ممعناها مبهما وغير واضح المعالم بالنسبة اليه ، ولعل سر اهتمامه بهذه الكلمة دون غيرها من الكلمات هو انه خسر بسببها الكثير من الأشياء طوال عمره الذي كان حروباً متتابعة مع الفقر والحاجة تارة ، ومع الازمات الاجتماعية والنفسية تارة اخرى، وبرغم ان هذه الحروب كانت تتخللها مدد استراحة قصيرة سوعان، الا ان هذه المدد سرعان ما كانت تنتهي لتعود حرب جديدة وتنشب اظفارها فيه وتحل محل الحرب الاولى ، وحينما حاول سعدون ان يحصي خسائره بسبب هذه الكلمة بدأ وكأن ذلك امر يصعب على رجل مثل ولكنه حاول ان يقوم بذلك مبتدئاً بطفولته. فهو منذ ان كان طفلا صغيرا عرف معنى الحرمان وذلك حينما قالوا له بان عليه ان يتوقف عن العبث بألعابه البسيطة لان الوطن كان يمر بظروف عصيبة ولا يليق به كمواطن مسؤول ان يلعب في مثل هذه الظروف، فتخلى عن اللعب وغرته كلمة «مواطن» وقبل ان يقايض لعبه بها من غير ان يعرف معناها الحقيقي ، وفي مدة مراهقته رضي ان يتخلى عن العيش كأي انسان اخر في البلدان الاخرى من اقرانه الذين كان يراهم عبر وسائل الاعلام فتخلى عن المتع التي يريدها وانكب على العمل بالإضافة استمراره في الدراسة ما جعله يستشعر المسؤولية ويعيش دور الرجل قبل أوانه وكل ذلك لان الناس قالوا له بان الظروف التي يمر بها الوطن لم تكن تسمح له بان يوفر لأبنائه حاجاتهم كافة.
كبر سعدون وكبرت معه حاجاته وظل هذا الوطن عاجزا عن توفير هذه الحاجات والعذر كان يأتيه دائماً بكلام متشابه على شاكلة: نعتذر عن ذلك بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا العزيز! او: وناسف عن تلبية طلبك بسبب الطرف الخاص الذي يمر به الوطن العالي. ولم يعرف سعدون لماذا لم تمنع هذه الظروف البعض من التمتع بكل ما يحلو لهم من خيرات هذا الوطن فيما ظل هو وغيره من الفقراء محرومين منها. ومع انه عاش فقيرا محروما لا يحصل على شيء من تلك الخيرات باستثناء النزر اليسير الذي كان بالكاد يسد به قوته وقوت أسرته الصغيرة التي كونها بعد ان تجاوز سن الشباب، الا انه عاش شريفاً نزيها لا يخالف القوانين ويرضى بما بين يديه من الرزق القليل ويقنع بالحياة البسيطة التي كان يحياها بشرف ونزاهة، ومع صعوبة وضعه المادي الا انه لم يتذمر ولم يفكر يوما في ان يطرح السؤال التالي؛ ما الوطن؟ لكنه تجرأ على فعل ذلك بعد ان مرضت ابنته ولم يوفر لها هذا الوطن علاجا شافيا، فجلس على الارض وصار يتسول لكي يحصل على المال اللازم لعلاجها، وصدف ان سياسيا ممن سرقوا خيرات هذا الوطن كان يمر قريبا منه فالتفت اليه سعدون وطلب منه مالا لعلاج ابنته، وبعد ان رمقه السياسي بنظرة احتقار بدا وكأنه قد أشفق عليه فتغيرت ملامح وجهه واخرج له المبلغ المطلوب من ثيابه الفاخرة وأعطاه له وهو يحرص على ان توثق عدسة حاشيته فعله هذا. اما سعدون الذي قبل المال في الحال فإنه لم يعد راغبا في ان يجهد نفسه بمحاولة الإجابة عن ذلك السؤال والوصول الى تعريف واضح لتلك الكلمة، ومضى مسرعا الى منزله ليبشر اسرته بما حصل عليه، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه بان «الوطن»؛ اي وطن كان هو ما هو الا مجرد اداة لاستغلال بعض الناس من اناس آخرين.



