في آخر حوار مع المرحوم المؤرخ الجزائري د. عبد الكريم بو الصفصاف: المؤرخ الوطني لا يزوِّر التاريخ.. التاريخ لا يُمْكن أن يكون مجرداً من العاطفة

المراقب العراقي/ جمال بو زيان
لمع اسم من عائلة «البوازيد» الشريفة في مدينة العِلم؛ مدينة الجسور المعلّقة قسنطينة، تلألأ في سماء التّاريخ، بحث واستبحث عن الذّاكرة الجماعيّة للحركة الوطنيّة في الجزائر؛ كان صفصافًا في التّاريخ، صفًّا في وطنه؛ صافيًا قلبه؛ أرّخ بحبر منصف، نقش اسمه بنفسه في ذاكرة التّاريخ بمؤلّفات غزيرة غزارة مداده.أَستضيف عبْر صحيفة «المراقب العراقي» أحد قامات التّأريخ الجزائريّ؛ و وتد من أوتاده الـمتينة؛ أستاذ نهل من مَعينه باحثون وطلبة، وصاروا أساتذة مِثل نبراسهم الفضيل؛ إنّه الأستاذ المؤرّخ الدّكتور عبد الكريم بو الصّفصاف.
هو من مواليد فرجيوة بولاية مليلة يوم السّبت 19 آب 1944 م؛ أحد النّشطين في جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين؛ كان هذا الشّامخ كالجبل الشّاهق يُحاضِر أين ما حلّ وارتحل؛ لا يَكلّ ولا يَملّ.
بالأمس كان يسألني في جامعة قسنطينة عن بحث حول «تاقدمت عاصمة الأمير عبد القادر»، واليومَ أسأله في هذا الحوار الصّحفيّ عن خبراته وإنجازاته؛ وعن قضايا الأُمّة؛ وأسئلة أُخرى. وللإيضاح؛ لَم تَسمحِ الظّروف بنشر الحوار في حياة الدّكتور بو الصّفصاف؛ وقد وافته المنية يوم الأحد 26 تشرين الثاني 2017 م؛ وقدِ استشرتُ زوجته الـمَصون غزالة بو غانم أستاذة التّاريخ بجامعة أدرار الّتي رحّبتْ بذلك أيّما ترحيب.
* شرفٌ لـمَخبَر الدّراسات الأفريقيّة للعلوم الإنسانيّة في جامعة أحمد دراية بأدرار أن تكُون مديره؛ هنيئًا لكَ وله؟
ـ شكرا لكم على الاهتمام بـمَخابر البحث العلمي، إلا أنني بعد أن أسست مَخبريْن، الأول بجامعة قسنطينة تحت اسم مَخبر الدراسات التاريخية والفلسفية، ثم مَخبر الدراسات التاريخية والأفريقية بجامعة أدرار، سلمتُ الأول لجامعة قسنطينة، والثاني لجامعة أدرار في هذه الأيام، لأنني تقاعدت بسبب المرض.
* إنّ إقليم توات عريق بريق يَستحقّ هذا الصّرح العِلميّ الحضاريّ؛ كان أمس جامعة؛ واليومَ صارت له جامعة؟
ـ إن جامعة أدرار على الرغم من حداثتها فإنها قد استقطبت خيرة الأساتذة الشباب، وهي الآن تتطور يوما بعد يوم بخطى ثابتة، وقد يسّر الله لنا أمورا كثيرة استحدثنا فيها مِثل الـمَخابر والدراسات العليا، أي ما بعد التدرج. وأحمد الله أنني كنتُ أول من أنشأ مَخبر بحث في الجنوب تحت اسم «مَخبر الدراسات التاريخية والأفريقية» بعدد اثنتي عشرة فِرقة بحث.
* ما النّتائج الـمُثمرة في الـمَخبَر منذ تعيينكَ؟
ـ نتائج هذا الـمَخبر منذ أن أسسته تتلخص في ثلاث نقاط رئيسة:
أولها إصدار مجلة الدراسات التاريخية والأفريقية، وثانيها تكوين دفعات من الطلبة المتخصصين بشهادة «الماستر»، وثالثا تنظيم منتديات وطنية وملتقيات دولية حضرها الأساتذة الكِبار من كل البلاد العربية تقريبا، بالإضافة لأيام دراسية محلية.
والآن، تركته لأعضاء الـمَخبر كي ينتخبوا واحدا من بينهم، ولعله الدكتور محمد مرغيث بعدّه اشتغل معي في الـمَخبر و رئيس تحرير مجلة «الحوار الفكري».
* على مستوى مَخبَر الدّراسات الأفريقيّة للعلوم الإنسانيّة؛ هلْ توجد مُشكِلات تُعيق الباحثين والطّلبة؟
ـ على مستوى الـمَخبر لا توجد أي مشكلة، غير أن بعض المواد القانونية في إنشاء الـمَخابر لَـم تطبق مِثل الـمِنح الخارجية، لأن الـمَخبر لا يملك ميزانية مستقلة بالعُملة الصعبة وبالعُملة الوطنية للأساتذة والطلبة على حد سواء.
* هلِ استطاعتِ التّكنولوجيا الوصول إلى نتائج مفيدة كانت بعيدة الـمَنال عنِ المؤرّخين؟
ـ بكل تأكيد، مثلا «الإنترنت» أصبحت توفر مرجعية هائلة للطلبة والباحثين على العموم، غير أن الكِتاب لا يُـمْكن تعويضه بأي شيء آخر، ويبقى دائما هو العمود الفقري في مجال الدراسة والبحث والمطالعة.
* ما رأيكَ في كتابة التّاريخ؛ والأفلام التّاريخيّة؟
ـ أعتقد أن المؤرخ الوطني لا يمكن أن يسمح لنفسه بتزوير التاريخ، وإنما تزوير التاريخ الوطني جاءنا من المؤرخين الاستدماريين على الرغم من وجود منصفين حتى من أعداء الأمس. أما الأفلام ففيها الحقائق وفيها الخيال لأن «السيناريوهات» لا يمكن كتابتها دون تدخل الخيال لأنه ينسج بين الأحداث. وقد مارست هذه التجربة بكتابتي سيناريو بعنوان «فرسان المسيرة» الذي يتناول تاريخ الجزائر من نهاية العهد العثماني حتى قيام الثورة التحريرية المباركة.
* هلْ توجد بنود سرّيّة لاتّفاقات إيفيان؟
ـ أنا لا أعلم ما إذا كانت بنود سرية لَم يُعلَن عنها، ولكنني أعرف أن البنود المتفق عليها لَم تطبق كلها، ليس من الدولة الجزائرية، ولكن من الدولة الاستدمارية نفسها مثل «بقاء الكولون والقوات الفرنسية في الـمَرسَى الكبير بوهران مدة معينة»، لأن الثورة الجزائرية كانت ثورة قوية تختلف عن كل الثورات العربية، ولذلك رحل المعمرون بلا حقائب، و لَم يبقَ من الفرنسيين إلا بعض الموظفين القلائل الذين أصبحوا خاضعين للقانون بصفتهم مواطنين أو أجانب.
* ماذا عن رفات الشّهداء الجزائريّين في فرنسا؟ وعن «أرشيف» الجزائر لديها؟
ـ أما عن رفات الشهداء في فرنسا فهذا أمر لا أعرفه بدقة، وأما «الأرشيف» فقد أخذت الجزائر صورا منسوخة عن الأصل، ولكن الوثائق المتصلة بجرائم الاستدمار في الجزائر لم يُفرَج عنها.
* هلْ تَمتنع فرنسا مِنَ الاعتراف بجرائمها التّاريخيّة الشّهيرة في الجزائر خوفًا منَ التّعويضات أَمْ لأسباب أخرى؟
ـ من كل شيء ضخمة، والعار أضخم منه.
* لماذا تَتأخّر كُلّ مَرّة كِتابة تاريخ الجزائر على أُسس عِلميّة وليس لاعتبارات سياسيّة؟ وما رؤيتكَ؟
ـ التاريخ لا يُمْكن أن يكون مجردا من العاطفة مهما يكن من أمر، وحتى الذين ما يزالون يتغذون على الفكر الفرنسي لا يستطيعون أن يتخلصوا من مشاعرهم الوطنية نهائيا.
* إبّان الاستدمار الفرنسيّ؛ كانت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين نشطة جدًّا؛ وخزّانًا لثورة التّحرير؛ لماذا ضَعُف دورها اليومَ في ظلّ استقلال الجزائر؟ أَ لا تَرى ذاك مُفارَقة؟
ـ بالأمس، كانت تحمل رسالتيْن، رسالة الوعي والتهذيب، و رسالة الجهاد ضد الاستدمار. أما اليوم فتوجد المؤسسات الوطنية تعمل في اتجاه واحد، وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية.
* لماذا يَتّجهِ الـمُؤرّخون نحو كِتابة التّاريخ السّياسيّ للحكومات والـحُكّام؛ ويَغفلون كثيرًا عنِ التّاريخ الثّقافيّ والإعلاميّ والأدبيّ والفنّيّ وغيرها إلّا القليل منهم؟
ـ لأن التاريخ السياسي أكثر تأثيرا في الشعوب من تاريخ الثقافة أو تاريخ الاجتماع أو الاقتصاد. ولأن التاريخ السياسي يتصل بالسُّلطة الحاكمة التي لها علاقات واسعة بواقع الجماهير كيفما كانت هذه العلاقات.
* ما رأيكَ في السّير الذّاتية للشّخصيات التّاريخيّة الّتي انتشرتْ أخيرًا في الجزائر؛ هلْ تُعَدُّ شهادات تاريخيّة؟
ـ بكل تأكيد فهي تُعدّ شهادات تاريخية، ولكن حسب مصداقية كل منها فمثلا وقعت عندنا في الجزائر مناظرة بين الأستاذ أحمد توفيق المدني والأستاذ محمد الطاهر فضلاء ومؤرخين جزائريين آخرين حول كتابة مذكرات حياة استمرت ليلة كاملة حتى الصباح، وكانت في الحقيقة محاكمة، والأستاذ توفيق المدني معروف بكتاباته المثيرة.
* ما الّذي شدّ انتباهكَ في سيرة الدّكتور أحمد طالب الإبراهيميّ؟
ـ سيرة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي قد تكون ذات مصداقية على عدّ أنه شخصية معروفة من السياسيين والمثقفين على حد سواء، وهو رجل فاضل، وليس لديّ ما يخدش سيرته العِلمية والسياسية بغض النظر على رأي البعض، وهو أمر لا أريد الدخول فيه لأسباب يعرفها الأذكياء والخبراء.
* كيف تُحافظ أيّ أُمّة على وَحدتها؟
ـ تحافظ كل أُمّة على وَحدتها الوطنية إذا كانت مشتركة في العقيدة الدينية والسياسية خاصة، وحتى إذا كان هناك اختلاف وجهات النظر فينبغي أن يكون الهدف واحدا، ولعل الديمقراطية المعاصرة هي أكثر عامل في اتحاد الأمم.
* هلِ العالَم العربيّ يَعيش «سايكس بيكو» ثانية أَمْ داحس والغبراء؟
ـ الوطن العربي لَم يعرف وَحدة واستقرارا إلا في عهد الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، ولكن لما جاءت موجة الاستدمار الحديث واكتسحت العالَم الإسلامي ظهرت قوميات ونزعات مختلفة فانفرطت العروة الوثقى.
* ما فلسفة التّاريخ؟ وهلْ يُمْكن الاستغناء عنِ التّاريخ من أجل الحضارة؟
ـ فلسفة التاريخ هي تحويل الأحداث المجردة إلى فكرٍ ثقافي كي يصبح مقروءا ومقبولا من كل الناس. ولا يُمْكن فصل التاريخ عن الحضارة لأن الحضارة هي تراكم الفعل البشري، والتاريخ هو الذي يدرس هذه التراكمات وهذه التجارب الإنسانية وينقلها من جيل إلى جيل، و على رأي المثل «الحاضر غرس الماضي والمستقبل جني الحاضر والتاريخ سجل الزمن لحياة الشعوب والأفراد والأمم».
* ما رأيكَ في مَن يُقدِّسون التّاريخ كأحداث؛ ويَنسوْن أو يَتناسون الـمُستقبَل؟
ـ ليست مسألة تقديس، وإنما التاريخ هو الأرضية التي تقوم عليها الأمم والحضارات. صحيح أن بعضهم يعدّون التاريخ أفيون الشعوب، ولكن لولا التاريخ ما عرفنا شيئا عن الماضي ولا على الأنبياء والرسل، ومَواطن الحضارة لأن التاريخ سلسلة مترابطة الحضارات.
* هلْ مِن تقييم لاتّحاد الـمُؤرِّخين العرب؟ وهلْ حقيقة يُدافع ِالـمُؤرِّخون عنِ الحقيقة التّاريخيّة ضدّ أيّ تأثير مذهبيّ أو عقائديّ أو سياسيّ؟ أَمْ هي صفقة بيْن الـمُؤرِّخ والـمُؤرَّخ له؟
ـ لقد كنت عضوا في اتحاد المؤرخين العرب بعد أن نُقل من بغداد إلى القاهرة، وكُرِّمتُ بدرع المؤرخ العربي، المؤرخ لا يُمْكن أن يكون مجردا من العواطف الدينية والمذهبية والأُسرية والوطنية والقومية، والمؤرخ الجزائري مثلا لا يُمْكن أن يُقارَن بالمؤرخ الفرنسي، والمؤرخ الفرنسي لا يُمْكن أن يؤرخ للجزائر بمصداقية مِثل المؤرخين الأجانب الآخرين، لأن المؤرخ الفرنسي تربطه علاقة استدمارية سابقة.
* مَجلّة الـمُؤرِّخ العربيّ لا تَصلِ الجزائر؟
ـ كانت تَصلُ في الماضي، ولكن الآن المسألة بيد وزارة الثقافة الجزائرية.
* أيّ موضوع تاريخيّ تَمنّيتَ لو أَلَّفتَ فيه كِتابًا؟
ـ كل موضوع تمنيتُه كتبتُ فيه، وأحيانا كتبتُ في موضوعات لَم تكن على البال، ولكن بعض الجهات الرسمية أوحت إليّ بالكتابة فيها. ومن الموضوعات التي تمنيتُها وكتبتُ فيها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والحركة الوطنية الجزائرية، والثورة التحريرية الجزائرية، ومن الموضوعات التي لَم تكن في الحسبان، والتي كتبتُ فيها، حرب الجزائر، ومراكز الجيش الفرنسي في ولاية سطيف، و ولاية مليلة، والشعر الثوري الملحون والفصيح في الثورة الجزائرية.
* بصفتكم أستاذا جامعيًّا في التّاريخ لسنين طويلة؛ بِمَ تَنصح الـمُدرِّسين؛ والباحثين في مجال تحقيق الـمَخطوطات وحمايتها؛ والأنساب؛ والتّاريخ عمومًا؟
ـ هذه مسألة تخص كل باحث أو مؤرخ حسب هوايته، ولكنني أدعو الشباب الباحث إلى الاهتمام بماضيه وحاضره، وأن يعطي الأولوية للتاريخ الوطني بعدّه الرباط الذي يشد لحمة المجتمع، وأن لا يفضل تاريخ الأجانب عن تاريخ أُمّته ووطنه.
* كرمًا لا أمرًا أستاذنا الفاضل؛ اختمِ الحوار دُون تاريخ.
ـ الخلاصة، أعتقد أن هذه الأسئلة هي أسئلة في الصميم، لها أهميتها في الماضي والحاضر على خدمة الثقافة الوطنية.



