الوفد الكردي الى بغداد .. حديث الساعة
رائد عمر العيدروسي
ما جعل زيارة هذا الوفد لترتقي الى مستوى حديث الساعة هو الإعلام الذي اعطاها حجماً اكبر من قياسها أو مقاساتها ، لكنّ في الإعلام هنالك مَن يقوم بتشغيل اجهزته ويسبقها بإعداد الرسالة الإعلامية وتنقيحها وتحريرها , وكان المصدر في ذلك هو رئيس الجمهورية عبر تحرّكه الأخير الملفت للنظر وتصريحاته التي اعقبته, فالرئيس فؤاد معصوم بادر مؤخراً بكتابة رسائل الى رئيس الوزراء والى نيجيرفان البارزاني وعرضها على نواب رئيس الجمهورية , يطرح فيها مقترحاً للقاءٍ مشترك بين بغداد وممثلين من الإقليم . وكانت رسالة الرئيس ضبابيةً للغاية في كلا بعديها الأعلامي والسياسي , وكأنها بحاجة الى ترجمة من العربية الى العربية . اوّل ما يستوقفنا بحركة الرئيس معصوم هو لماذا كتابته الرسالة الى رئيس الوزراء وهو على مقربة منه وبمسافةٍ قصيرة في المنطقة الخضراء ؟! , وكان من الأجدر التباحث معه ميدانياً لأغراض المناقشة وتبادل الاراء وما الى ذلك , وما يجتذب الأنظار ايضاً أنّ الرئيس اعلنَ أو صرّح بأنّ نوّاب رئيس الجمهورية قد وافقوا على مشروعه .! فالأعراف والتقاليد في دول العالم أنّ نائب الرئيس لا يعارضه بل يغدو ممثلاً عنه , لكنّه في العراق فكلّ أمرٍ شاذ انما ينبغي القول ايضاً عمّا اذا عارضوا نواب رئيس الجمهورية لمشروعه أو لم يعارضوه , فما الذي سيتغيّر ومن الذي سيؤثر على اللقاء المرتقب مع الوفد الكردي أو سواه ايضاً ؟.
الوفد الكردستاني الذي سيزور بغداد , هو اوّل وفدٍ من الإقليم يلتقي مع الحكومة المركزية منذ ذلك الاستفتاء . وهذا الوفد هو برلماني وليس من السلطة التنفيذية , وبالتالي فأنه لا يمتلك اية صلاحيات لأية حلحلة مفترضة بين الإقليم وبغداد , بل أنّ وسائل الأعلام الكردية ذكرت أنّ زيارة الوفد هي لتمهيد الأرضية لإجراءِ الحوار المنتظر .! إذن فطالما الأرضية ليست ممهدة أو معبدّة الى الآن , فكم يتطلّب وكم يستغرق تشييد الحوار وأعمدته وجدرانه لبلوغ السقف ؟.
هنالك بضعة توصيفاتٍ مشتركة للتعبير أو الإشارة الى عنوان زيارة الوفد القادمة , فهي بروتوكولية بلا شكّ , كما انها تأتي كمحاولة لترطيب الأجواء السياسية الجافة بين الإقليم وبغداد , ثُمّ انها قد تهدف الى جسّ النبض وحبّ الاستطلاع الميداني , بل تدنو من «الفضول الصحفي» لاستقراء ما يدور في اذهان الطرف المقابل والتعرّف على نقاط التشدد والنقاط ذات المرونة المفترضة لدى حكومة المركز . الإبهام اللغوي والفكري والسياسي في آخرِ تصريحٍ لرئيس الجمهورية هو قوله بأن لا دواعٍ ولا فائدةَ ترجى من لقاءٍ مشترك بين العبادي ونيجيرفان بارزاني .. فمثل هذا اللقاء سيقتصر على المجاملات السياسية ولن يصل الى نتيجة لحلّ الأزمة مع الإقليم , بل يجب قدوم وفد كردي الى بغداد للتباحث مع وزارة النقل ومناقشة الوضع حول المطارات بالإقليم وكذلك مع هيأة الكمارك حول المسائل المتعلقة بالمنافذ الحدودية. حديث الرئيس معصوم هذا قد يعني إمّا أنّ وزارة النقل تعمل خارج سيادة الدولة وقرارها السياسي أو أنّ هنالك تغييراً وتراجعاً بموقف العبادي بإعادة فتح المطارات وهذا لم يُعلن حيث وصل وفد من الإقليم لأجراء مباحثات مع وزارة الداخلية , ويضم مدراء الجوازات والأحوال المدنية والإقامة والبطاقة الوطنية في محافظات اربيل والسليمانية ودهوك .! وبتداخل هذه الأوراق والمواقف , فالسيد رئيس الجمهورية لم يتطرّق الى تعنّت حكومة الإقليم في عدم تسليم المعابر والمنافذ الحدودية الى الحكومة الاتحادية ولا على ضرورة وقف التهريب الرسمي للنفط من الإقليم وتسليم ذلك الى السلطات العراقية , وهو يشدد في تصريحاته على تحميل بغداد مسؤولية الأزمة مع الإقليم , والرئيس هنا يقفز على حقائق محظورٌ القفز من فوقها. من المفترض أنّ الحكومة العراقية سوف تستثمر اللقاء مع الوفد البرلماني الذي يمثل بعض الأحزاب الكردية , بغية ايصال رسالة محددة ومشددة الى حكومة الإقليم , بأنّ موقف بغداد تجاه الأزمة القائمة مع الإقليم هو موقفٌ ثابت وراسخ ومحدد بشروط دستورية , كما أنّ المنطق لا يفترض ايّ افتراضٍ بإمكانية أو احتمالية تراجع السيد العبادي عن شروطه لحلّ الأزمة مع قيادة الإقليم , بل أنّ الأمور السيادية العالقة بين الإقليم وبغداد هي أكبر من أي رئيس وزراء أو حزب أو رئيس جمهورية , انها مسألة شعب وسيادة و وطن.



