النسخة الرقميةثقافية

كتبي ذات نمط أدبي وجداني تأملي غادة علي كلش: النقد الأدبي النخبوي موجود برتبة عالية في العالم العربي

المراقب العراقي/ عزيز البزوني

غادة علي كلش، كاتبة وصحفية لبنانية من مدينة بيروت، لها خمس إصدارات أدبية هي: مدارات الروح ١٩٩١، وعصافير القضبان 5991، ومركزية الأنا 0002، عكس الريح 9002، والطيف والأثر 3102. كتاباتها نثرية وجدانية تأملية هي شذرات، عندها ايضا نصوص أدبية، وقد اشتغلت في الصحافة الثقافية لمدة ثلاثين سنة وتحديدا بمجلة الكفاح العربي, التقيناها فكان هذا الحوار معها:

* هناك معايير نقدية تحكم اي مسألة، فالغموض والترميز الزائد يضعفان النص الأدبي مهما كانت قيمة النص من ناحية جودة الموضوع ـ التجربة الشعرية ذاتها ـ البلاغة والصور والأخيلة، فالغلو في الترميز والغموض وانتقاء اللفظ الثقيل على السمع والنطق، يخفي الموسيقا الخارجية والداخلية للنص،وبغية النص وصول المعنى.
ـ لا بد من القول إنّ هذه المعايير النقدية التي تتحدث عنها، هي ذاتها متعرضة لتغيرات استنسابية، وسوف تظل متعرضة للعديد من التغيُّرات، وفق المتحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المنطلقة في عصرنا هذا بسرعة كبيرة. فالإشكالية هنا لا تكْمُن في النص الأدبي أو الشعري، بل هي تكْمن في وظيفة المتلقي الاستقبالية، فبقدر ما تكون هذه الوظيفة وهّاجة في استقبالاتها المفاهيمية والحسية والبلاغية، بقدر ما يكون النص قابلا للتوظيف التواصلي المؤثر من طرف الكاتب إلى طرف القارئ. ولا شك في أنّ هنالك شواهد كثيرة تؤكد معنى كلامي هذا. فإذا أخذنا مثالا، قصيدة أحمد شوقي (نهج البردة) و قصيدة ناجي ابراهيم (الأطلال) وقصيدة علي محمود طه (الجندول) وغيرها من القصائد البلاغية المهمة التي تحولت إلى أغنيات، وانتشرت على ألسن الجماهير العربية، فسوف نجد أن الترميز الغامض والثقل المعنوي في النص، لا يضعفانه، بل إذا استقبله المتلقي بدون أحكام مسبقة،فسيلقاه في وجدانه وهو يؤثر فيه التأثير المنشود. لذلك تبقى المشكلة برأيي كامنة في الخلفية الثقافية للقارئ، أو في المخزون الاستقبالي الدَّلالي الخاصّ به.
* يقال ان أزمة الثقافة في مجتمعنا العربي لها عدة عوامل مشتركة متضافرة كما الحلقات المشبوكة في بعضها كعقد، مركزها وعمودها الفقري النظام السياسي العربي على شعوبه بشكل متجبر قاهر.
ـ يقول الروائي الراحل عبد الرحمن منيف في كتابه (بين الثقافة والسياسة): «كلما لاح في الأفق مشروع نهضة حضارية عربية فإنه سرعان ما تعود تلك الثقافة إلى الانطلاق من منطقة الصفر». ويصف الدكتور إبراهيم قويدر في كتابه «أزمة الثقافة والمثقف في الوطن العربي»: بأنها مرتهنة لثلاثة أبعاد رئيسية هي أولاً: بُعد المثقف عن السلطة بالفكر، وقُرْب السلطة من المثقف بالمال. من هنا يجد قويدر التناقض في موقف المثقف من نظام السلطة التقليد يفي الوطن العربي، ملاحظا تاريخ الموقف الإيديولوجي للمثقف العربي تجاه النظام السياسي بين التأييد والمعارضة وبين المحاباة والمجافاة، وبين التبرير بسياسة النخبة السياسية والدعم الفكري لسياسات أخرى مختلفة. ثانيا: بُعد المثقف العربي عن القضايا المجتمعية حيث تتأرجح وتتباين مواقف المثقف العربي بين الإعلان و التحليل والتغيير. وثالثا: بُعد المثقف عن موقف التقليد بحيث يجد المفكرون العرب تراجعاً فيدور المثقف العربي عن الثقافة ذات المضمون الوطني التقدمي، ولذلك تضعف الثقافة العربية المعاصرة وتقصّر في تعزيز الوعي الجماهيري الثقافي والسياسي، وتفقد وقدرتها على تشخيص الواقع الفعلي».
* هل صحيح ما يقال بان الزمن القادم هو زمن القصة القصيرة، زمن الأعمال المختصرة قليلة الحجم؟
ـ لا أرى أنّ القصة القصيرة والشذرات أو العبارات الوامضة، هي نتاج الزمن اليوم والزمن القادم. بل هما من النمط الأدبي المعروف والمنتشر في حضارتنا العربية والإسلامية منذ مئات السنين، وقد وصلتنا بأقلام أئمة وأدباء كبار، كالغزالي والنفّري وابن عربي والجاحظ وسواهم. وكذلك كان هذا النمط سائدا في القرن الماضي كثيرا، بأقلام كبار الشعراء والأدباء في الوطن العربي، وخصوصا في لبنان، نذكر منهم أمين الريحاني وميخائيل نعيمة وراجي الراعي وجبران خليل جبران،ومارون عبود وتوفيق يوسف عواد وسواهم. ناهيك عن مؤلفين غربيين برعوا في كتابة الأقوال والعبر القصيرة، من قبيل الكاتب الفرنسي فرانسو الاروشفوكو، وبرنار دشو وسواهما.
* النقد نتاج أدبي, يتأثر بما يتأثر به الأدب. إنّ ظهور الشللية والتجمعات الثقافية على أسس مناطقية أو طائفية أفقد النقد كثيرا من مقوماته الموضوعية.
ـ إشكالية النقد العربي متعددة الأوجه والنتائج والأسباب، وأرى أنها بدورها قد تشظّت بفعل سلطوي من جهة، وبفعل مادي من جهة ثانية، وهذا ما تسبَّبَ به دور الإعلام اليومي الطاحن بيومياته الإستقطابية المحددة المساحة والتوقيت . والجواب على هذا السؤال بالذات يحتاج إلى مقالة متماسكة الروابط والدلالات والبراهين. إلا أنني يمكنني القول إن النقد الأدبي النخبوي موجود برتبة عالية في بعض دولنا العربية كمصر والعراق ولبنان وفي دول المغرب العربي بشكل خاص.
* وسائل الاتصال تعددت, لكنّ استغلالها لمصلحة الأدب كان ضعيفا, فوسائل التواصل الاجتماعي غلب عليها سطحية الاستخدام , لكنها في الوقت نفسه ساعدت في إيصال الكثير من الأفكار.
ـ إن عصر التواصل الافتراضي لم يفتح الباب في وجه الريح الهوجاء على الكتابة الأدبية فقط، حيث اختلط الحابل بالنابل، بل فتحها أيضا على مبادئنا وأخلاقياتنا، ليحول التربية الاجتماعية عند جيل الشباب العربي والإسلامي، من أداء لأصول الاحتشام إلى أداء لصفاقة الانحلال. وهذه إشكالية خطيرة تستدعي من المسؤولين ومن القيمين على الفكر العربي والحضارة العربية الإسلامية، الخوض فيها والبحث عن حلول لها قبل فوات الأوان.
* حدثينا عن الاصدارات الادبية، ما الذي يحمله كل اصدار في طياته؟ وهل هنالك رسالة محددة في كل مؤلف؟ وهل أنصفك النقاد؟
ـ لي خمسة إصدارات، وكتبي ذات نمط أدبي وجداني تأملي، فيها نصوص قصيرة، كناية عن تأملات في الذات والطبيعة والحياة.
وفيها شذرات أكثر عن المعاناة والعِبر والجمال الروحي والفكر. وكذلك فيها بعض النصوص السردية المختصرة التي تحاكي شيئا من سيرة حياةٍ عائلية. أما كتابي مركزية الأنا فهو مبحث صغير الحجم يخوض في تحديد هوية الأنا الفردية من ضمن الأنا المتعددة، أستطيع القول إن النقاد في لبنان أنصفوني وأحبوا كتاباتي ورحبوا بها.فالمقالات التي كتبوها عني أخذت هذا المنحى الإيجابي، وكذلك المقابلات التلفزيونية التي أُجْريت معي أنصبت في هذا الاتجاه. ولكوني صحفية وأكتب في مجال الثقافة منذ ثلاثين عاما، فيمكنني التأكيد أنّ الذين تناولوا كتاباتي لم يكونوا في سياق ردٍ جميلٍ ما.
فأنا من النوع المنعزل اجتماعياً، ومنهم مَنْ كتب عني من غير أنْ يعرفني شخصيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى