النسخة الرقمية

المتاهة الروحانية

الدكتورالشيخ أيمن المصري
قبل الدخول في الكلام، أود أن أذكركم أنّ هذه المتاهة لها جانبها الإيجابي الحسن، الذي يتمكن من خلاله رموز هذه المتاهة من أن يخدعوا الناس، ويجذبوهم إليها، فمثلا حيث استغل رموز الاتجاه المادي الرأسمالي شعارات الحرية والتنوير لتلميع وتحديث وجوههم، واستغل رموز الاتجاه الديني الانتهازي شعارات الدين والإيمان، لإضفاء القدسية والشرعية على سلوكهم.. فماذا عن الاتجاه الروحاني؟رموز هذا الاتجاه استغل عن علم أو جهل، النزعات الروحية والمعنوية عند الكثير من الناس، وبدأوا يعزفون على أوتارها الرقيقة؛ للتأثير في نفوسهم وأرواحهم، ولتوجيههم إلى الطريق الذي يرسمونه لهم، من أجل تكثير اتباعهم، وتحقيق مصالحهم. ولكن ما العيب في ذلك؟، وهل تزكية النفوس، وتهذيب الأرواح أمر سلبي في نظرك، بحيث تعدّه متاهة من المتاهات؟! اعتقد أنني قد نبهتك قبل ذلك إلى أنني عندما انتقد هذه المتاهات، لا انتقد الجانب الإيجابي فيها، فلست أرفض الحرية والتنوير، ولا الدين والإيمان، وكذلك لا أرفض ما ىتقولونه أنت الان من تهذيب النفوس والأرواح، بل انتقد الاستغلال الانتهازي لهذه الأشياء، والتي قد يسميها البعض بالأدلجة والتسييس.معذرة… نعم الان تذكرت ما قلتموه، ولكن كيف استغل هذا الاتجاه الروحاني نفوس الناس؟ هذه الاتجاه كالاتجاه المادي والديني، قام بإقصاء العقل وتحقيره في أعين الناس، وعدّ تحصيل العلم والمعرفة العقلية تضييع للعمر، و وصف العلم بأنه الحجاب الأكبر بين الإنسان و ربه، او بينه وبين التكامل المعنوي.ولكن لماذا يفعلون ذلك، ويزهدون الناس في العقل والتعقل؟! لعلك قد نسيت أنّ هذا الاتجاه كالاتجاهين الاخرين، يرى في العقل والتعقل، أكبر مانع لتحقيق أغراضه في التأثير والهيمنة على الناس، بل يريد أن يمشي الناس خلفه كالقطيع مغمضي العينين. نعم صحيح ؛ لأنّ العقل بطبيعته التحليلية النقادة يمنع الإنسان من سرعة التصديق والانسياق خلف الاخرين بلا تأنٍ أو تدبر..بالضبط هكذا، ولذلك فإنّ مشايخ وكهنة هذا الاتجاه، دائما ما يشترطون على أتباعهم ضرورة أن يتخلوا عن عقولهم كشرط مسبق لانتمائهم إلى هذا الطريق، وأن يسلموا لأقوالهم وإرشاداتهم بالكلية، دون أدنى تحقيق أو اعتراض، ليبدأوا بعدها بتلقينهم ما يشاؤون من اعتقادات وتصورات غيبية، والتي غالبا ما تكون خيالية أو خرافية.ولكن ما الاثار السلبية التي من الممكن أن تترتب على هكذا اعتقادات؟ أسوأ ما فيها أنها تجعل الإنسان مستعدا لتصديق أي شيء، حتى ألوهية أو ربوبية هؤلاء المشايخ والكهنة، مما يفتح باب الإدعاء والدجل والشعوذة على مصراعيه، ويقع الناس فريسة وضحية لهم، ويصبحون مجرد أدوات صامتة يتلاعبون بها كيفما شاؤوا. ما أسوأ استغلال الإنسان لأخيه الإنسان …وهل هناك سلبيات أخرى لهذا الاتجاه؟ من أخطر السلبيات أيضا لهذا الاتجاه، هو السعي الحثيث لعزل اتباعه عن الحياة الاجتماعية المؤثرة، والانكفاء على الذات، وإسقاط مسؤولية الإصلاح والتغيير من على عاتقهم، ولذلك كانت هذه الاتجاهات الروحية محل دعم وتأييد من جانب الأنظمة السياسية الجائرة والفاسدة على مر التاريخ، وإلى يومنا هذا، لأنها تساعد على تخدير وتنويم الشعوب. و ربما يكون هذا من الأسباب التي دعت «كارل ماركس» إلى القول: إن الدين أفيون الشعوب..لاشك أنّ ماركس كان ثائرا حراً، يدعوا إلى العدالة والمساواة، ومحاربة الظلم والفساد، والنهوض في وجه الأنظمة الطاغية والمستبدة، وكانت أغلب الاتجاهات الدينية التقليدية، والتيارات الصوفية والروحانية، بحسب طبيعتها اللاعقلانية، تؤيد هذه الأنظمة الجائرة، وتمنع الناس من الثورة عليها، وتدعوهم إلى ترك الدنيا الفانية، والانقطاع إلى الاخرة الباقية، فكانوا في الواقع يشكلون حجر عثرة في وجه مشروع «ماركس» الثوري، ولذلك وصف الدين بذلك الوصف، عندما وجد أنه يتم استغلاله بهذه الشكل. يعني في النهاية لم يسلم أي فكر إنساني من الاستغلال، والتوظيف السياسي.عندما يغيب العقل، تغيب الإنسانية، ويصبح كل شيء ممكنا، فاللاعقلانية هي مفتاح جميع المتاهات، وإذا أقال الإنسان عقله وعطله، فقد خسر نفسه، وفقد حريته واستقلاله، وكرامته الإنسانية.وفي الختام إذا لم ترسم بعقلك مستقبل نفسك، فسوف تكون جزءاً من مستقبل غيرك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى