النسخة الرقميةثقافية

قراءة في كتاب «تأريخ الناصرية في الوقائع المنسية»

صباح محسن كاظم

ثمة ضرورة قصوى لتدوين تأريخ المدن العراقية، فلقد همشت الدكتاتورية وأقصت بشكل متعمد تأريخ المدن من رموزها، علمائها، سياسييها، معارضيها، مجاهديها، وكل ما له صلة بالمدن الجنوبية والفرات الأوسط. وكانت حصة الناصرية السهم الأوفر من التهميش، لأن أبرز الأحزاب السياسية المناهضة للبعث إنطلقت منها، فضلاً عن مثقفيها يمثلون خط المعارضة للفاشستية بكل تأريخ العراق، المدينة التي تغفو على الفرات والإرتواء من دجلة. مدينة النخيل، والثقافة، والفن، والإبداع.
في كتاب المؤلف محمد رحيم حسين الجوراني (الموسوعة المصورة الشاملة الوقائع المنسية لمدينة الناصرية) الجزء الأول بـ611 صفحة اصدار 2017، يمثل جزءاً من ذاكرة المكان، وأرشفة الأحداث والأزمنة والشخصيات، وكل ما يتعلق بمدينة الناصرية بالجوانب كافة، كتب عنه المؤلف وعززه بالصور لتلك الأيام المنسية. بالطبع، الصورة لن تكتمل إلا بصدور الأجزاء التالية عن شخصيات المدينة، وقد حاول المؤلف تعزيز الوثائق التأريخية بصور لمعظم صفحات الفصول والأبواب لتوثق كل الوقائع، فالصورة مُعبرة عن المكان، البناء، الطرق، الجسور، المساجد، المدارس، المؤسسات والدوائر الحكومية، أصحاب المهن. إنه جهد شاق وعمل يحفظ للمدينة تأريخها، لقد كتب المحامي الراحل «شاكر الغرباوي» أهم مدونة بخمسة أجزاء عن المدينة لكن فُقدت بزمن الطاغوت البعثي وللآن لم يُعثر على المسودات، وكتب معظم أدباء وكتاب الناصرية عن مدينتهم في مشروعهم القصصي والروائي، وحتى في الشعر، تبرز المدينة وتأريخها. وصدرت بمعظم أقضية محافظة ذي قار مؤلفات كتبت عنها بمناسبات مختلفة، وصحف عديدة تؤرخ لكل ناحية وقضاء. فيما قدم الشاعر عناية الحسيناوي بالخمسينيات مشروع أدباء المنتفك، ثم الأديب ماجد كاظم علي بثراء تجربته بالتدوين، كذلك ما كتبه الأديب علي شبيب ورد الذي يعمل عليه الآن الأديب حسن عبد الغني الحمادي بالكتابة عن مبدعي المدينة بالحقول كافة، وغيره الكثير من الكتاب ممن كتبوا عن الناصرية بمؤلفات نتمنى أن تكون واقعية بالكتابة عن الشخصيات، فلا تغفل أحداً بأي جانب عن عمدٍ. وما زال مشروع القاص والروائي «نعيم عبد مهلهل» بكتابة 10 أجزاء عن شخصيات الناصرية بأسلوبه الأدبي الأخّاذ بعد أن وصل للجزء الرابع بكتابته.
لقد أبحر المؤلف محمد رحيم حسين الجوراني بعمق التأريخ للمدينة التي هي سليلة الحضارة السومرية في أور، فقد مرَّ بتأريخ الحضارة وطاف بإرجاء المدن السومرية التي قدمت للبشرية المنجز التأريخي الكبير، وعرج بصفحات عديدة عن النبي إبراهيم الخليل (ع)، وظهور التوحيد وحياة الخليل في ص 13: «بعد أن أتاه الله الرشد وهداه إلى الحق أدرك النبي إبراهيم (ع) أن هناك خالقاً لهذا الكون العجيب وهو مسيّر أموره، وكذلك أدرك كأن هذه الأصنام الجوفاء الصماء التي يعبدونها لا تغني عنهم عن الله شيئا، لذلك بادر بنشر دعواه إلى توحيد الله وعزم على تخليص أهل بيته وبلدته من هذا الشرك السائد..». إن هذه السياحة التأريخيّة الحضاريّة بمفتتح الكتاب واستهلاله تعكس العمق الحضاريّ لبلاد ما بين النهرين، حيث يسترسل المؤلف بدراسة حياة النبي إبراهيم الخليل (ع)، مؤكداً في ص 21: «ان النبي إبراهيم الخليل (ع) كثير التنقل داخل العراق في السهل الجنوبي بين مدينتي (فدان آرام) ومدينة (أور الكلدانيين)، وذلك لنشر دينه الجديد والتخلص من مكائد الأشرار الذين يدافعون عن آلهتهم وسطوة الحاكم المستبد. وقد مكث النبي إبراهيم (ع) في هذه منطقة الناصرية لمدة زمنية طويلة أمدها (ثلاث وستون سنة من ولادته الى هجرته الى كنعان)، ولا يزال بيته شاخصاً». ويستمر بالأبواب والفصول ليطارد كل شاردة و واردة، ونحن نتطلع إلى الأجزاء الأخرى التي تحكي أزمنة حضارية مختلفة نبارك للمؤلف بمنجزه، ونذكره بأن يشمل جميع الشخصيات التأريخيّة والأدبيّة التي قدمت منجزها الفكريّ والثقافيّ للناصرية والعراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى