النسخة الرقمية

الرحمة والمحبّة النبويّة

«فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُبعث لهلاك الناس حتّى وإن ضلّوا، وإنّما لأجل دعوتهم إلى الهداية والرفق بهم، لذلك نراه في تلك الحالة يرفع يديه ليدعو الله لهم أن يهديهم فهم لا يعلمون»

إنّ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو الإنسان الكامل الجامع لتمام الكمالات والفضائل الأخلاقيّة،ويكفي للإشارة إلى علوّ منزلته وعظمتها خطاب الباري المتعالي له في القرآن الكريم، إذ وصف وجوده المطهّر بأنّه رحمة لجميع الناس وخاطبه بقوله:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾،فيقول الإمام الخمينيّ (قدس سره) في خصوص رحمة ومحبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «… إنّ أعلى من مرتبة (غلبة العقل على جميع القوى) هو أن تصبغ القوّة العاقلة بالصبغة الإلهيّة وأن تتعلّق قوّة العشق بالكمال الإلهيّ المطلق، بحيث إنّ أيّ عمل يُعجن بالحبّ الإلهيّ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾،وطبعاً إنّ هذا المقام لا يتيسّر لأيّ كان. إنّها مرتبة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، مرتبة ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. بحيث لو نظر إلى الحجر لنظر نظرة عطوفة لأنّه سيجد فيه أثر المحبوب، حتّى نظرته لأبي جهل كانت نظرة الرحمة وقتله له كان رصاصة الرحمة، لأنّه كان يعلم أنّ بقاء أبي جهل في دار الدنيا يعني زيادة في خسرانه، لأنّ نظم الأمور ورعاية حقوق الآخرين يلقي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسؤوليّة قطع العضو الفاسد والّذي سيمتدّ فساده إلى الآخرين. كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعمل وفق القانون الإلهيّ ونحن أيضاً تابعون للقانون وما يفرضه علينا من التولّي والتبرّؤ.فالنبيّ كان ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾. ونحن نعيش في هذا العالَم تحت ظلّ الرحمة الإلهيّة، تحت ظلّ النور الطاهر لمحمّد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم»..ما كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يغضب يوماً من الناس. كان يستمع لهم بسعة صدر، ويدعوهم دائماً إلى التعامل بالرحمة والعطف والمحبّة فيما بينهم، وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما نُقل عنه: «والّذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلّا على رحيم»،وكان يقسم بأنّ الرحمة الإلهيّة لن تكون نصيب إلّا من كان رحيماً. وحين سأله المسلمون قائلين: يا رسول الله هل نحن رحماء؟، أجابهم: «ليس الّذي يرحم نفسه وأهله خاصّة، ولكن الّذي يرحم المسلمين»,فالرحمة الإلهيّة تشمل من عمّت رحمته المسلمين لا ذلك الذي اقتصرت رحمته على نفسه أو على أهل بيته،وكانت علاقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه تتجاوز مثل علاقة الناس مع بعضهم بعضاً. كان الأب الرحيم بأولاده الّذي يحرص على استقامتهم وسعادتهم، وفي ذلك يقول الإمام قدس سره:»كيف كان نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع أصحابه؟ في نفس الوقت الّذي يُظهر فيه الشدّة على الكفّار بعد أن ييأس من هدايتهم ويناصبونه العداء، كان كالأب الرحيم بأصحابه وأتباعه بل وأكثر من أب رحيم»..فالإمام الخمينيّ قدس سره يشير في إحدى خطبه إلى هذه الخصوصية في شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول:»كان نبيّ الإسلام يحزن للناس الّذين لم يهتدوا، بحيث إنّ الله تبارك وتعالى كان يُواسيه في ذلك. وقد بلغ حزنه حتّى شقّ الأمر عليه فخاطبه الله تبارك وتعالى في القرآن بأنّا لم نرسل إليك القرآن لتشقى من أجل الناس. كان حزنه ألماً على شعوب الأرض كحزن الأب على أولاده، وكان يحزن على الكافرين عندما يراهم حيث لم يهتدوا ويسيروا على الفطرة الإنسانيّة التي خلقهم الله عليها»..فالقرآن الكريم هكذا عرّف ووصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه نفحة الرحمة للناس جميعاً، يقول تعالى:﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾فهذا النبيّ الّذي أُرسل إليكم والّذي يألم لألمكم ويُجهد نفسه لجهدكم، هذا الرسول يصرُّ على هدايتكم، وسبب هذا الإصرار أنّه رحيم بكم رؤوف بالمؤمنين، وقد بلغ من شدّة حزنه أن عرّض نفسه للتهلكة، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره في ذلك:»لقد بلغت شدّة شفقة ورأفة هذا العظيم منتهى المدى، حيث تُبيِّن حاله الآية الشريفة الأولى من سورة الشعراء: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾. وجاء أيضاً في أوائل سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾..إن شدّة ارتباط ومحبّة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للصديق والعدوّ كانت من أجل إرادة الخير والصلاح للمجتمع، ولتأمين السعادة والطمأنينة للبشر. وإذا ما وجدنا في حالات خاصّة أنّ هذا العظيم اضطّر إلى استعمال القوّة «السلاح» فإنّما كان من أجل الدفاع عن كيان الأمّة الإسلاميّة، والّذي ينتهي في الحقيقة إلى إرادة الخير والصلاح للمجتمع. الإمام الخمينيّ قدس سره يقول في هذا المجال:»كما كان نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ورحيماً بالمؤمنين، كان كذلك للكافرين، بمعنى أنّه كان يحزن على الكفّار لبقائهم على كفرهم الّذي سيؤدّي بهم إلى جهنّم، فهو قد أُرسل لينجّي هؤلاء الكفّار وهؤلاء العصاة، والله قد خاطبه بسبب حزنه هذا فقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ، كأنّك تريد أن تهلك نفسك بسبب أنّهم لم يؤمنوا ولم ينالوا حظ ّالنجاة. يروي لنا التاريخ أنّه عندما مرَّ جمعٌ أُسروا في إحدى الحروب بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُجرّون بالسلاسل، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّ هذه السلاسل يجب أن يُجرّوا بها إلى الجنّة، لذلك علينا الآن أن نأتي بهم ونهديهم. لقد كان نوراً للهداية، سموحاً مع المؤمنين ومع الآخرين إلّا الذين كانوا يشكّلون غدّةً سرطانيّة، فكان عليه استئصالها من المجتمع».
الإمام الخمينيّ قدس سره في رسالته الأخلاقيّة العرفانيّة الّتي كتبها لإبنه المرحوم السيّد أحمد الخمينيّ، أشار إلى أسف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على قومه الّذين عميت بصيرتهم ولم يهتدوا، حيث يقول الإمام قدس سره:»حقيقةً لا أجد سبباً يدعو النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يحزن ويتأسّف على المشركين الّذين لم يؤمنوا إلى الحدّ الّذي يصل فيه إلى مستوى هلاك نفسه، بحيث خوطب بخطاب ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، سوى أنّه كان يشتعل بحبّ عباد الله عشقاً، ومن يعشق الله يعشق تجلّياته. لذلك كان يألم لأولئك الّذين احتجبوا بحجب ظلمات الأنانيّة وتاهوا في منزلقات النفوس الشيطانية، بحيث انتهت بهم أعمالهم وما كسبت أيديهم إلى شقائهم ودخولهم النار، لأنّه كان يرى نفسه أنّه أُرسل إلى الجميع من أجل سعادتهم، في حين أنّ المنحرفين والمشركين كانوا يبادلونه العداوة والبغضاء»وبالرغم من جميع المصاعب والمتاعب والأذى الّذي ألحقه كفّار مكّة بالنبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لم يألُ جهداً ولا ترك واجباً في طريق هداية وإصلاح مجتمعه، وبمقدار ما كانت المضايقات تزداد، بمقدار ما كان حبّه ولطفه يزداد لعباد الله.وحول هذه الميزة الخاصّة الّتي امتاز بها نبيّ الإسلام الكريم يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره):»رويَ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت». يرجع هذا المعنى إلى أنّ أيّ شخص يستطيع أن يدرك أكثر عظمة وجلال الربوبيّة والمقام المقدّس للحقّ ـ جلّ وعلا ـ سيتأثّر ويتأذّى أكثر من تجرّؤ أولئك العصاة من العباد على هتك الحرمة. وأيّ شخص أيضاً سيكون أكثر حبّاً وحرصاً و رحمةً بعباد الله، سيحزن أكثر إذا انحرفوا وانتهوا إلى الشقاء. ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان أكمل من سائر الأنبياء والأولياء عليهم السلام في بلوغ المقامات المعنوية والعروج في مدارج الكمال كان أكثر تأثّراً وحزناً»..و»إنّ محنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت أشدّ من الجميع، لأنّ ما وصل إليه النبيّ وأدركه من المعارف القرآنية لن يجد من يبيّنه لنا إلّا إذا كان ممّن نال مقام الولاية التامّة.
وعلى الرغم من كلّ الأذى والألم الّذي ألحقه كفّار قريش في حقّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، كان الجميع يتوقّع أن ينتصر هؤلاء لمظلوميّتهم وينتقموا ممّن ظلمهم من أهالي مكّة، لكنّ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أمر المسلمين أن يدخلوا مكّة بمظهر الرحمة والرأفة، وأصدر عفواً عامّاً وقال مقولته المشهورة: «اليوم يوم المرحمة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى