نصر الله والخطاب الذي قلب المعادلات السعودية

حسن رستمي
لقد أحتوى خطاب السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني حول التطورات الأخيرة في لبنان بعد الاستقالة الإلزامية لسعد الحريري، على العديد من النقاط المهمة لاسيما الكشف عن خفايا استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري التي اعلنت من الرياض. فالسعودية ربما كانت تعتقد أن أول رد فعل للسيد نصر الله بعد استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، سيكون الهجوم على الحكومة اللبنانية، والحريري شخصياً، لكي تتمكن من المضي بشكل أوسع وأفضل في خططها ضد حزب الله اللبناني، حيث أن خطاب السيد نصر الله لم يجعل الآمال السعودية تخيب وحسب، بل إنه وقف في خطابه داعماً وبقوة عن شرعية حكومة الحريري، كما دافع عن الاستقرار والوفاق السياسي والتضامن بين التيارات السياسية اللبنانية الذي شهدته لبنان عقب انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية معتبراً إياه عاملاً لاستقرار وتقدم لبنان.
إن الأمين العام لحزب الله وبرغم الاختلافات في وجهات النظر مع التوجهات السياسية للتيار الذي يقوده الحريري (تيار المستقبل)، إلا أنه في هذه المرحلة لم يتطرق إلى فتح أي من هذه الملفات ولم يبد اي انتقاد، إنما أعتبر أن الانتقادات يجب أن توجه إلى السعودية؛ وفي الوقت نفسه اعرب عن استغرابه لخطوة رئيس الوزراء اللبناني والطريقة التي قدم فيها استقالته معتبرا انها تمت بإلزام من الرياض. وأعتبر السيد نصر الله الحكومة اللبنانية الحالية حكومة مشروعة وقانونية، وأكد أن الطريقة التي جرى فيها تقديم الاستقالة لا يمكن القبول بها بأي شكل من الأشكال، لأن الحريري لم يكن قد قدم استقالته بناءً على قناعته ورغبته الشخصية وطالما الاخير لم يعد إلى لبنان ولم يقدم استقالته بشكل مباشر هناك، فإن حكومته ستستمر بعملها.
وأبعد من ذلك لقد قام الأمين العام لحزب الله اللبناني وفي أول رد فعل له على اعلان الاستقالة بإزاحة الستار عن أمر لم يكن الكثير يعتقد به انذاك وهو ان تتعامل السعودية هكذا مع حلفائها المقربين؛ فكلام «السيد» عندما اشار الى الاستقالة القسرية وكذلك الاعتقال ومنع رئيس الوزراء اللبناني من السفر وذلك في خطابه الاول عقب استقالة الحريري في الرياض، جاء هذا التصريح بعد مرور أسبوع لتتضح صحته للجميع بحيث أن بعض التقارير الإخبارية تنقل عن السلطات السعودية بأنها تبحث عن شخص يحب مكان الحريري. كذلك طالب الأمين العام لحزب الله، في خطابه الثاني عقب الاستقالة، جميع اللبنانيين بعدم الصمت إزاء هذا الأمر، وبإدانة الإجراء السعودي هذا، لأن ما قام به السعوديون يعد بمثابة اساءة لكل اللبنانيين.
لقد قلب السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير السيناريو السعودي المعدّ سلفاً رأساً على عقب؛ إذ ان أعداء لبنان توقعوا بان يهاجم السيد نصر الله في المرحلة الراهنة، الحكومة اللبنانية والحريري شخصياً؛ ليتخذوا من هذا الموقف ذريعة للتنديد بحزب الله، ولإظهار المقاومة اللبنانية على انها تعيق عمل الحكومة اللبنانية ولكي يتم تعريفها وفقاً لزعم الأعداء على أنها منفذ لخطط إيران في لبنان. لقد سعت وسائل الإعلام التابعة للسعودية بعد خطاب نصر الله إلى إضفاء الطابع الأمني على الأجواء اللبنانية، والترويج بالقول بأن الظروف في لبنان ليست مهيأة لعودة الحريري، وحتى أن قناة العربية المرتبطة بالسعودية تحدثت عن وجود خطة لاغتيال الحريري، الأمر الذي نفاه الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية مؤكدين أنه لم يكن قد حدث مؤخراً أي تحركات أو خطط مريبة لاغتيال شخصيات لبنانية ومن ضمنها الحريري.
الخطاب الحكيم والمطمئن للسيد نصر الله جعل من الأجواء اللبنانية التي يسعى الأعداء إلى إظهارها على أنها مضطربة جداً ومتأزمة، حيث وصل الحال ببعض الدول المتماشية مع السعودية إلى استدعاء رعاياها من هناك، جعلها هادئة، لأن واحدة من خطط أعداء لبنان لا سيما الإعلام السعودي هي جعل شيعة لبنان في مواجهة سنته والاستفادة قدر الإمكان من النيران المشتعلة حيث أن هذه الحيلة لم تصل لحد الآن إلى اية نتيجة تذكر بسبب يقظة الأطراف والتيارات السياسية اللبنانية المختلفة. إن الطريقة التي تعاملت بها الرياض مع رئيس الوزراء اللبناني لم ترضِ حتى الأطراف الموالية لها، حيث أنتقد تيار المستقبل هذه الطريقة وطالب بعودة سعد الحريري إلى البلاد.
من جانبه عبرَّ زعيم الطائفة الدرزية في لبنان وليد جنبلاط عن إندهاشه من طريقة التعامل السعودي، ولم يتوقع أن تقدم الرياض التي بقي لعدة عقود موالياً لها على إجراء كهذا. وقال جنبلاط في هذا السياق: «من المحزن حقا أن تعامل السعودية لبنان بهذا النحو، بعد أن كنا أصدقاء لعقود». وبالتالي فقد نوه السيد حسن نصر الله في خطابه، الى ان لبنان يمر اليوم في منعطف تأريخي ومرحلة مصيرية، حيث يحتاج تخطيها إلى أن تكون التيارات السياسية اللبنانية متيقظة، لتتجنب وعبر إدراك الظروف السياسية التي تحوم بالبلاد أي إجراء من شأنه جرّ لبنان إلى التوترات والصراعات ولكي تسحب أيضاً البساط من تحت أقدام المتربصين بلبنان وشعبه ومستقبله.



