الحكومة الإسلامية .. الفلسفة والأهداف
الجزء الثاني
أنّ ضرورة تشكيل نظام للحكم وإدارة المجتمع وقيادة الحياة وفق القانون أمر يؤمن به جميع المفكرين.. أما أولئك الذين يدعون إلى الفوضوية ويرفضون النظام القانوني فهم إمتداد للخوارج..كان النظام الحكومي ينهض على قاعدة عقيدية، وتكون غاياته منبثقة من أصول العقيدة التي ينطلق منها..والحكومة الإسلامية ليست إستثناءاً في هذا الإتجاه..أن لها أهدافها وغاياتها التي تنسجم والأصول التي تنتسب إليها وهنا إشارات إلى مقاصد وأهداف الحكومة الإسلامية التي تشكل في مجموعها (فلسفة للحكومة الإسلامية)…
إنّ الإسلام هو دين الله الأوحد: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} ولا يقبل الله ديناً غيره: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} وعلى هذا فإن رسالات الأنبياء جميعاً كانت رسالة الإسلام.. وحكوماتهم كانت حكومات إسلامية، وإننا لنكتشف ذلك من خلال تأملاتنا في القرآن الكريم وهو يذكر حركة الأنبياء وأهدافهم:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}..وتتجلى في هذه الآية الهدف العام للرسالات الإلهية، وهو تنفيذ العدالة في المجتمع الإنساني وإن هذا لا يتم إلا من خلال الأفراد النورانيين.. ذلك أن خليفة الله الذي هم الإنسان النوراني وهو وحده المدافع الحق عن حقوق الآخرين.
وما أوردته الآية الكريمة حول مهمّة الأنبياء إنما هو هدف غير نهائي فالهدف النهائي هو أن يصبح الإنسان الكامل خليفة الله.. لأنه المعلّم الوحيد للإنسانية وهو الذي يعلمهم الكتاب والحكمة ويهذب النفوس البشرية بل ويعلم الملائكة أسرار الأسماء الإلهية،ولذا فإن دائرة الخلافة الإلهية لا تنحصر بالأرض بل تمتد لتشمل المخلوقات السماوية بالرغم من حضوره الجسماني في الأرض..بالرغم من أن البرهان العقلي والتحليل القرآني، دليل كاف على أن الهدف الأصيل للحكومة الإسلامية، هو خلافة الله.. ومن خلال ذلك يتم إقامة العدالة في الأرض، ولكن استعراض الآيات القرآنية يعزز من هذه الحقيقة أكثر..وهكذا وصف الله داود بأوصاف تجعله خليفة الله الحق ولذا جاء الخطاب الإلهي لداود:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}..فقائد المجتمع الإنساني هو النموذج الكامل للسالك في طريق الكمال وخليفة الله، يستند في قدرته إلى إمكانات الخلافة الإلهية.. وعندها يمكنه تشكيل الحكومة الإسلامية ويعلن حاكمية القانون الإلهي وشريعة السماء في الأرض، حيث الهدف الأسمى الحكم بالحق وتنفيذ العدالة باحترام الحقوق المتقابلة بين الناس..ما ذكرناه حتى الآن هو بيان مختصر للهدف الأول للحكومة الإسلامية وأما الهدف الثاني وهو (تأسيس المدينة الفاضلة) فهناك نقاط نتطرق إليها في المستقبل… فللمدينة الفاضلة شروط ومقومات لكننا سنشير إلى طائفة منها على نحو الإجمال:النمو الثقافي حيث يتكفل ذلك الماسك بزمام الحكومة الإسلامية:كما في قوله تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}..إنّ الجهل والضلال هما العاملان اللذان ينحطّان بالمجتمع، وأن أهم هدف للحكومة الإسلامية هو مكافحة الجهل ونفض غبار الضلال والضياع في المجال الثقافي، فيحل مكانها الكتاب والحكمة، وبمكافحة الضياع الأخلاقي والانحراف العملي تأتي التزكية وتهذيب الروح، فالمسار التعليمي يكافح الجهل، والمسار التربوي يكافح الانحراف الخلقي.. والآية تحدد هذه المهمة في المجتمع الأمّي الجاهلي وتدعوه إلى العلم والوعي والثقافة، كما تدعوه أيضاً إلى التسامي عن الانحطاط الأخلاقي والى تطهير الروح والنفس،وبطبيعة الحال أن النجاح في هذه المرحلة سوف يوصل المجتمع إلى إمكانية تأسيس المدنية الفاضلة..واما النمو الاقتصادي حيث ينهض القادة الإسلاميون بمهمة بيان الخطوط الكلّية للاقتصاد في النظام الإسلامي، وتحديد السياسة المالية وفقاً للشريعة الإلهية،وإضافة إلى دعوة الناس وحثهم على الزراعة والاهتمام بالجانب الاقتصادي في إطار من العمل الحلال والنشاط المشروع، فإنهم يتحملون مسؤولية الأمن الاقتصادي، والإشراف على التوزيع العادل للثروة، وكل ذلك وإنما يتم من خلال اقتصاد معافى، ومجتمع متوازن والذي سنشير إلى بعض ملامحه..فالإسلام يعترف بأصالة الملكية الخاصّة على أن يكون معنى ذلك أن الإنسان الذي حصل على المال من خلال العمل هو وحده يملك ذلك المال ولا يجوز لأي كان أن يتصرّف به دون إذنه ورضاه،ولكن هذه المالكية الخاصّة ستتوقف وينتهي مفعولها في حدود مالكية الله، وما الإنسان هنا سوى أمين على المال والمخوّل بالتصرّف به في حدود الشرعية..قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}وقال عز وجل: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}..ومن هنا فإن حق التصرّف بالمال لا يجوز إلاّ في إطار رضا الله وإذنه..فالإسلام ينظر إلى مجموع الثروة على أساس الرفاهية الاجتماعية العام، ومن هنا فإن الملكية الخاصّة يجب ألاّ تتحول إلى ورم مالي يؤدي إلى الحرمان الاجتماعي ويشطر الأمة الإسلامية إلى شطرين أثرياء متخمين وفقراء حفاة،فالإسلام يعدّ الثروة العمود الفقري والدماء التي تجري في عروق المجتمع الإسلامي،فالمجتمع لا ينهض مادام فيه فقراء بائسون..لأن الفقراء هم فقرات الظهر الاجتماعي فأي انزلاق فيها يؤدي بالمجتمع إلى عجز عن القيام والنهوض، فضلاً عن الحركة والنشاط،ولأن الثروة بمثابة الدماء التي تجري في العروق فلذا يجب ألا تكون في تصرّف السفيه والجاهل.. لأن ذلك يعني منح قدرة النهوض الاجتماعي والقيام إلى من لا يحسن التصرّف بهذه الإمكانات، ومن هنا نفهم هذه الآية المباركة في قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاما}..لأنه يمكن نسبة المال إلى عموم المجتمع وعدّه سبباً في القيام ولذا لا ينبغي أن يكون تحت تصرّف السفهاء والصبيان،والإسلام يمنع الاحتكار وكنز المال، لأن الكنوز واحتكار السلع بمثابة حبس الدماء في العروق مما يؤدي إلى إصابة أعضاء الجسم بالشلل.. ولذا يجب أن تتدفق الثروة وأن تجري الأموال وتتحرك البضائع في عروق الجسم الاجتماعي لتحقيق النمو المطلوب: {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}،والإسلام لا يذكر تدفق المال في عروق الجسم الاجتماعي بشكل محدود وإنما يشدّد على توسيع نطاقه إلى أبعد الحدود وعدم الاقتصار في حركته على مجال ضيق، بل يجب أن يسلك دورة كاملة تامّة: { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} لأن أي محاولة لحصر المال في نطاق محدود ستؤدي إلى الحرمان وبالتالي تمزق النسيج الاجتماعي،ولأنه ليس المطلوب لا النظام الرأسمالي في الغرب حيث هيمنة الرأسماليين وليس المطلوب أيضاً زعامة الدولة والمذهب الماركسي الذي انهار مؤخراً في الشرق..وفي كل الأحوال يجب ألاّ يكون المال تحت تصرّف شخص أو أشخاص حقيقيين أو شخصيات حقوقية، بل يجب أن يتحرك ليشمل في حركته كل شرائح المجتمع.



