النسخة الرقمية

الحكومة الإسلامية .. الفلسفة والأهداف

الجزء الاول

أنّ ضرورة تشكيل نظام للحكم وإدارة المجتمع وقيادة الحياة وفق القانون أمر يؤمن به جميع المفكرين.. أما أولئك الذين يدعون إلى الفوضوية ويرفضون النظام القانوني فهم إمتداد للخوارج..كان النظام الحكومي ينهض على قاعدة عقيدية، وتكون غاياته منبثقة من أصول العقيدة التي ينطلق منها..والحكومة الإسلامية ليست إستثناءاً في هذا الإتجاه..أن لها أهدافها وغاياتها التي تنسجم والأصول التي تنتسب إليها وهنا إشارات إلى مقاصد وأهداف الحكومة الإسلامية التي تشكل في مجموعها (فلسفة للحكومة الإسلامية)…أولاً إنّ قيادة المجتمعات البشرية وسياستها، تعد في طليعة العلوم الإنسانية ومن أكثرها أهمية، ومعرفة العلوم الإنسانية تحتاج إلى معرفة الإنسان،الإنسان مخلوق يدرك نفسه من خلال غيره، والعالم كذلك أيضاً مثل الإنسان يدرك وجوده من غيره، والإنسان والعالم مرتبطان معاً لأن كليهما يتأثر ويؤثر في الآخر..ومن المستحيل أبداً أن تتم معرفة الإنسان من دون معرفة المبدأ الفاعل الذي وجوده عين ذاته، والذي منح الإنسان والعالم نعمة الوجود وجعلهما منسجمين مع بعضهما البعض بالنتيجة لا يمكن معرفة سياسة المجتمع الإنساني وحكومته..وثانياً: الإنسان وفق الرؤية الإسلامية يقع على رأس ثلاثة نظم والتي لا تعدّه العقائد غير الإلهية موجداً لهذه النظم الثلاثة: الأول: النظام الفاعلي؛ الثاني: النظام الداخلي المخصوص الثالث: النظام الغائي الخاص..والنظام الفاعلي هو أن جميع العلل التي سببت ظهور نموه إنما هي مخلوقات لإله واحد أحد.. والمبدأ الفاعل الوحيد للعالم والإنسان إنما هو الله سبحانه، ولا يوجد عامل مستقل أبداً ساهم في تحقيق وجود الإنسان… وكذا لا يوجد مخلوق له دور مستقل في نموّه…وأما النظام الداخلي للإنسان هو أن حقيقة مؤلفة من روح مجرّدة وجسم مادّي؛ يعني أن الإنسان ليس مثل الملائكة روح بدون جسم… وليس مثل الأجرام والكواكب جسم بلا روح، وأن المقوّم لإنسانية الإنسان هو الروح التي لا تعرف الفناء والزوال لأن الجسم قابل للزوال لأنه من تراب،والنظام الغائي له هو أنه بالموت لا يفنى بدنه، بل هو حي معه يلج عالماً ثانياً بعد زوال عالم الدنيا هو عالم القيامة وببدن مناسب للعالم الخالد، وأن جميع عقائده وأفكاره وكذا جميع أخلاقه وأوصافه وجميع أفعاله وتصرفاته تحشر معه ولا يمكنه الانفكاك عنها،فالإنسان في المذاهب المادّية يفتقد النظام الفاعلي بمعناه الآنف الذكر وكذلك يتفقد النظام الغائي بالمعنى المذكور أعلاه، وينحصر نظامه الداخلي في المادة والجسم وسيكون للروح والأفكار الروحية تفسير مادّي أيضاً..والقرآن الكريم هو أرقى مفسر للإنسان والعالم، وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته نظم الحلقات الثلاث، وفي طليعة هذه الآيات التي اختصرت هذه النظم قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}ففي هذه نلاحظ النظام الفاعلي الذي هو الخالق، والنظام الغائي المتمثل في الهداية نحو الهدف، ولكن النظام الداخلي ذكر على أنه هبة الله وعطيته التي تناسبه.. كما هو الحال في قوله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.وهذه الآية تكشف عن البعدين اللذين يؤلفان الإنسان.. فالإنسان الذي خلقه الله ليجعله خليفة في الأرض، خُلق من طين فهو مرتبط بعالم الطبيعة والتراب والبعد الآخر يربطه بعالم التجرّد بعد أن نفخ الله فيه من روحه..والثالث إنّ أهم غايات الحكومة الإسلامية والتي تنسجم مع النظم الثلاثة للإنسان هو شيئان.. توفير الأرضية المناسبة لتحقيق خلافة الإنسان أولاً وثانياً ببناء المدينة الفاضلة،حيث توفر مبادئ الحضارة الحقّة في إطار من العلاقات الداخلية والخارجية الثابتة..إنّ النصوص الدينية جميعاً بما في ذلك القرآن الكريم وسنّة المعصومين وسيرة الأولياء الصالحين، وبالرغم مما تزخر به من معارف لكن عصارتها جميعاً تصبّ في هذين البعدين..فالإنسان في نظامه الداخلي كما قلنا يتألف من الروح والبدن ولكن الأصالة فيه للروح، والبدن تابع لها، وأن سلامة البدن والاهتمام بها هي من أجل سلامة الروح وصونها من العقائد المنحرفة والسقوط الأخلاقي والسلوك الهابط…كما أن تأمين وبناء المدينة الفاضلة أيضاً هو من أجل تربية الإنسان، ليكون (خلقه الله)، والأصالة في هذين الركنين إنما هي للخلافة الإلهية..ذلك أن البدن مهما كان سالماً فأنه يأتي يوم يتفسخ فيه بعد لحظة الموت, ولكن الروح تبقى مستمرة في الحياة. وكذلك المدينة الفاضلة فإنها مهما عمرت فأن مآلها إلى الخراب والاندثار وزوال حضارتها.. أما خليفة الله وهو الإنسان الكامل فلا يعرف الفناء والزوال،ومن هنا فإنّ المدينة الفاضلة بمثابة البدن في الإنسان وخليفة الله بمثابة الروح،وكما أن على أساس أصالة الروح حيث هي من وراء سلامة البدن، فكذلك على أساس أصالة خليفة الله فإن المدينة الفاضلة يبنيها الإنسان الكامل..رابعاً: إنّ لازمه الخلافة الإلهية هي في توفر كل الكمالات المستخلفة عنه في الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله باتساع وجوده،ومن هنا فإن العدل والقسط وأمثاله بعدّها أهداف الحكومة الإسلامية وبالرغم من كونها معدودة في الكمالات، لكن جميعها جزء من فروع الكمالات الأساسية، لأن الإنسان المتعالي الذي هو خليفة الله سيكون مصدراً لجميع تلك الكمالات، لأن الخلافة تستلزم في خليفة الله أن يكون مظهر جميع الأشياء التي تساهم في تحقيق سعادة المجتمعات البشرية..خامساً: حدد القرآن الكريم في مطلع سورة إبراهيم الهدف من نزول القرآن وهو الهدف الأسمى للرسالة يعني الغرض الأصيل للحكومة الإسلامية: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} والابتعاد عن الله الذي هو الوجود المحض والكمال الصرف ظلام، والانفصال عنه الذي هو النور التام ظلمات، والمبدأ الوحيد الذي له القدرة على الإنقاذ من الظلمات إلى النور بالذات، ولأن الله وحده نور السموات والأرض فقد جعل لنفسه الولاية،فإنّ الهدف الأعلى للرسالة ونزول الوحي هو (الحكومة الإلهية) ونورانية المجتمع الإنساني، وحماية الإنسان النوراني من ظلمات الهوى وصدمات الهوس والمحافظة عليه من الوساوس والمغالطة، فيتحرر فكره من الوهم، ويطهر عمله من لوث الشهوات..وعلى هذا فإن الهدف المهم من وراء تأسيس النظام الإسلامي انطلاقاً من قاعدة الوحي والنبوة من أجل أن يكون الإنسان (خليفة الله)..والسيرة المعلّمة للإنسان النوراني هي عين رعاية الأدب وحماية إنسانية الآخرين، وإلا يعتبر الإنسان أيّاً كان أهلاً للتمجيد والعبادة؛ وفي نفس الوقت الذي يمجد فيه جمال العالم فأنه لا يعتبر أياً من موجوداته الأرضية والسماوية أهلاً للعبادة والتقديس.. بل أن الخليقة بأسرها آيات الله الذي ليس كمثله شيء، وأن جميع الموجودات لا يمنحها قيمة أكثر من قيمة الدلالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى