نحنُ وأنا وابن أوى
ما أعجب الزمان وما أعجبنا، تدور رحى أيامه فتطحننا! كنا بالأمس نشع في سماء صافية كابتسامة الثريا في فم الأفق البعيد..أما اليوم فقد أصبحنا شموعا محترقة تسيل من جوانبها دموع الاسى فتطفئ الألق الظامئ لبقايا أوكسجين الحياء..بالأمس كنا نلوك بأوجاعنا ونمضغ بآهاتنا فنصنع من بقاياها ابتسامة ٍ شاخصة على اعتاب التأريخ..أما اليوم فقد بدأت ممحاة (أنا الذات) تمسح بهاء وجوهنا وألق عيوننا ..وتمتد (يد المصالح الضيقة) بفرشاة المادة وألوان المناصب لتشوه وجوهنا الملائكية فتضيف تجاعيد الشيخوخة ورثة الثياب البالية على محيا رسومنا فتحولنا إلى بائسين مذلولين مقهورين! بالأمس كنا صغارا جدا نحمل قلباً طفوليا لم يصدأ بعد من وخزات تجارب النفاق ولم تنكسر بين نبضه حجب الخجل بحجارة البهتان والكذب!أما اليوم فقد امتلأت أفواهنا أسناناً تقضم جمرة الحرام وتلوك برغيف السحت حتى امتلأت حد التخمة ولم يبقَ متسع كي تستطيع كروشنا أن تمتص رحيق الحق حتى تميّز شروق الشمس عن غروبها! بالأمس كان الضمير سيد النفس يجلس على عرش الملكوت فتتهاوى أمام محكمة عدله كل مراودات الأخ الذي أراد أن يضم نعجة أخيه إلى نعاجه التسع والتسعين..أما اليوم فقد تفجرت ثورة ((الانا الجحودية)) وأسقطت ما تبقى من أعواد داود وسليمان في الروح الانسانية لتبني عرشها على أنقاض الايثار بعد أن ذبحته سكاكين النفس الامارة بالسوء..بالأمس كنا ملائكة تخط اقدامنا طريقها بين الحقول فتتفتح أزهار النرجس والياسمين ناصعة البياض والأقحوان البري واللايلك ونسير في الطرقات فنشع بين أزقتها قناديل متوهجة كي ننير لبني البشر هذه الظلمة الحالكة..أما الان فقد سكن ابن أوى تحت أضلاع هيكلنا الترابي فلا صوت بين خبايا النفس سوى عواء غدرنا ولا نبض يرن سوى طرقات ملتوية تحيك خيوط المؤامرات وتنسج بيوت الدسائس التي باتت الصناعة الوحيدة التي نُجيدها! هكذا كنا بالأمس وهكذا نحن الان! كم تمنينا أن لا ينطوي أمسنا تحت ركام الماضي..كان علينا ان ننصب شراك لأبن اوى الذي يتجول بين أفكارنا بدلا من أن نعيش متباكين على ذكرياتنا الشموس .
طائر الكناري



