قدوتي الأستاذ محمد حسنين هيكل الكاتب والإعلامي زيد الحلي: الحياة سلم لا تستطيع تسلقه ويداك في جيبك

المراقب العراقي/ رنا خالد
منذ عام 5691، حصل ضيفنا على 4 دبلومات في الصحافة، الاول من المعهد القومي للصحفيين العرب عام 6791، واثنان من كلية التضامن للصحافة والإعلام في المجر عامي 6891 و 0991، والرابع من معهد يوليوس فوجم في براغ عام 9891. انتُخب لست دورات في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين. وعضو اتحاد الصحفيين العرب، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين، وقد رأس تحرير وادار تحرير وعمل في عدد من الصحف في العراق منها جريدة (العرب) وجريدة (الافق) ومجلة (وعي العمال)، كما رأس مجلس ادارة مجلة (فنون تشكيلية) وحاليا يتحمل رئاسة تحرير مؤسسة (بابل للإعلام). وفي هذه الحافظة الغنية سنقرأ انه قام بإعداد العديد من البرامج التلفازية والاذاعية، وله العديد من الكتب التي قام بتأليفها:
* كيف الوصول للنجاح في عالم الصحافة اليوم؟
ـ ربما في جوابي ما لا يرضي الآخرين، ففي رأيي ان الوصول الى النجاح هو أن ينتقل المرء من احباط الى احباط من دون أن يفقد حماسته في الاستمرار، حتى يحصد النجاح. لقد مررت شخصيا بعشرات، بل بمئات من التجارب الصحفية، ومارست كل صنوف العمل المهني في الصحافة، حتى وجدتُ مبتغاي. لكن هل انا شخصياً راضٍ لما وصلت اليه؟ بالتأكيد اقول «لا»، فمهنة الصحافة دائما جديدة ومتجددة، فربما انت اليوم في طريق تعتقد انه ناجح، لكن في الغد ستجد نفسك متخلفا عن الركب في ملاحقة الجديد، وهكذا دواليك. وبالمحصلة، ادعو زميلاتي وزملائي كافة الى السعي والمثابرة في تتبع كل ما هو جديد في عالم الصحافة، كونها مهنة مبهرة لا تستقر على مقام واحد، واوصيهم بالقراءة .. ثم القراءة، واعني بالقراءة ليس تصفح الانترنيت ومقالات الفيس بوك، انما القراءة الرصينة في كتب رصينة!
* الحرية في الصحافة لها حدود حسب نظرتك عبر سنوات العطاء الصحفي.
ـ ما أجمل عبارة «الحرية»!!، وانني اتذكر في مقتبل صباي، كنت اهتم بترديدها في نقاشاتنا، وفي كتاباتنا، وكنا نقبل على شراء الكتب التي تتحدث عن الحرية، ونتسابق في طرحها على مسامع الآخرين. لكن مع مرور السنين والعقود، وزيادة التجربة الحياتية، وما رأيناه من ممارسات في مختلف شؤون الحياة، أصبحت ارى ان الاهتمام بالنظام اهم من الحرية نفسها!
فالحرية عندي هي نتاج نظام واضح ومدروس، في المجتمع والإعلام، والنظام هو عدو الفوضى. وبتّ معتقدا ان القليل من الحرية يجلب الركود، والكثير منها يجلب الفوضى. غير ان النظام المبني على اسس ديمقراطية وانسانية، يحقق غايات سامية بل حدود. والصحافة هي احدى وسائل تنظيم الحياة المجتمعية، فليس مهما ان تعري انسانا لأخطاء وممارسات ارتكبها باسم الحرية امام الرأي العام، ناسيا اسرته ومحيطة المجتمعي وما سيترتب عليهما من نظرات سلبية، انما ينبغي ان تؤكد في مقالاتك ورؤاك الصحفية على توجيه المجتمع الى جادة الصواب.
* عرفتكم من عشاق الصحافة الورقية، .لماذا؟ وهل يوجد فيها نكهة اخرى؟
ـ الصحافة الورقية تسيّدت منذ مئات السنين قلوب القراء حتى جاءها ما لم يكن في البال: «الانترنت»، ومعه ولدت الصحافة الالكترونية لتشكل مأزقاّ فعليا لدور النشر العالمية، لأن المواطن أخذ يطالع الصحف اليكترونياّ. وزاد الأمر تعقيداّ بالنسبة للصحافة الورقية، تأسيس مئات المواقع الإعلامية لتعرف لاحقاً بـ»الصحافة الإلكترونية»، وأصبح لها وزن وثقل إعلامي ملموس.
وانا ادرك ان التطور سمة الحياة، لكني ما زلتُ مؤمناً بأن عبق عطر حبر الصحف، يطغي على أريج عطور باريس، ومثلما بقي المسرح يصارع منافسيه وانتصر، تبقى الصحافة الورقية عنوان وأرشيف الحياة. وان لا ننسى ان لكل زمان آية، وآية هذا الزمان هي الصحف الورقية، فهي الضمير المكتوب، وما انقى هذا الضمير!!.
* شباب اليوم من الصحفيين عملوا في هذه المهنة من اجل كسب المال حيث الكثير من دون عمل او من اجل الشهرة ماذا تقول؟
ـ وهل تعتقدين ان الصحافة اليوم فيها موارد تغري الشباب للدخول اليها من اجل مغانم مالية؟ الصحافة تعاني من ضائقة مالية، وكثير من الصحف مهددة بالتوقف. غير ان محبي الصحافة كُثر، وهم بازدياد. فهي تحقق شهرة و وجاهة مجتمعية. لكن لمن؟ للأشخاص ولا سيما الشباب الذين يقدرون دور الصحافة، بعدّها راية ثقافة ونماء وبناء مجتمع. كم افرح وانا ارى هذا العدد الكبير من جيل الشباب وهم يلجون ابواب الصحف، يكتبون من دون ان يكون هدفهم المال، برغم ان المال شريان الحياة. تحياتي لكل شباب الصحافة في محنتها الحالية.
* ما مقومات الصحافة الناجحة في زمن التقلبات والاستقصاء عن الحقائق الغامضة؟
ـ في البدء اقول، ان قارئ اليوم غير قارئ الأمس، فقارئ اليوم يحمل فكراً واعياً يتسع لجميع المعارف، لذا نراه ينفر من الصحيفة التي تحمل اتجاهاً واحداً تسلط عليه الضوء بالتحليل الممل من أول صفحة وإلى آخرها. لذلك يجب ان تتوفر مقومات حقيقية في الصحيفة التي تطمح الى النجاح، فصحيفة اليوم لتكون ناجحة يجب ان يكون دورها بارزا في الإحاطة بشتى أنواع العلوم: سياسية، رياضية، علمية، ثقافية، اقتصادية. وعليها إن أرادت الوصول لقمة النجاح أن لا تغفل شيئاً من تلك العلوم، وهذه باختصار اهم المقومات الى جانب توفر صحفيين مهنيين على مستوى عال، ولهم مدارك في فهم الغاطس من المجتمع.
* الصحافة حظ ام فرصة؟
ـ لا يصنع الحظ من الرجل صحفياً ناجحاً، كما ان الفرصة لا تمنح المرء جواز مرور في بلاط صاحبة الجلالة. الصحافة محبة وحب وعشق وآثار وثقافة ولباقة وحكمة ودماثة وثقة بالنفس وصبر.
* التواصل بين الصحافة العربية والعالمية مهم، ام أن لكل واحد اتجاهاً مختلفاً؟
ـ التواصل المعرفي بين الاتجاهات الصحفية عربيا وعالميا مهم جدا في حياة الصحفي، فمعرفة التطورات في المهنة الصحفية، ضروري لمواكبة الجديد. انها مهنة تعطي وتأخذ، والصحفي الكفء هو لاعب اعلامي كفء.
* ما المبدأ او الحكمة التي تنطلق منها؟
ـ الحياة سلم لا تستطيع تسلقه ويداك في جيبك!
* (50 عاماً في الصحافة)، الكتاب الاهم في عام 2012 هو احدث اصدار لكم، حدثنا عن هذا الكتاب وكيف يمكن اختزال 50 عاماً من الاحداث في كتاب؟ وهل الذاكرة مهمة جداً للصحفي؟
ـ صدر كتابان بعد (50 عاما في الصحافة) هما (السنين إن حكت) و(مقالات في الصحافة والثقافة والحياة)، وهناك كتاب آخر سيصدر ان شاء الله الشهر المقبل بعنوان (فم مفتوح.. فم مغلق). لقد كتب الكثير عن كتاب (50 عاماً في الصحافة) وبالإمكان الرجوع الى محرك البحث الالكتروني (كوكل) لمعرفة حجم تلك الكتابات، لقد أبحرتُ طويلاً في قارب الصحافة، من دون أن أجد أبداً شاطئاً أطأه كي أستريح. لذلك أقول ان ذكرياتي هي فعل استحضار مؤقت للزمن الماضي، بكل مكوناته وانفعالاته وشجونه وشخوصه.
لقد بدأتُ حياتي محرراً وستنتهي حياتي متى شاء الله جل وعلا محرراً. عملتُ في غرف صحف شارع جديد حسن باشا ببغداد، وهي غرف شعثاء، مغبرة، بالية المقاعد والأستار، وعملتُ لاحقاً في صحف تضم قاعات جميلة، أنيقة تضم كل أسباب الراحة للمحررين. لم أكن من الصحفيين الذين يكسبون مكانتهم من موقع الوظيفة، بل كسبتُ مكانتي من موقع العمل المهني ونتائجه. لقد حملتُ القلم وأنا فتى وشاب و رجل وشيخ، مقيماً ومغترباً، متعافياً ومريضاً، وآمنتُ ان الصحافة ليست لها مواعيد، والصحفي لا بد ان يكون يقظاً، حتى وهو نائم، وأن يشرب قهوته من قعر الفنجان، لأنه متوثب دائماً، وبقيتُ على هذا المنوال قرابة نصف قرن، وتكرست قناعتي بأن الصحفي إذا أراد ان يحفر له مكاناً في جدارية الحياة، لا بد أن يكون نصف مجنون على الهاوية، ونصف واع على السهل، يكتب بعنف وقت لا يشاء الآخرون ويصمت وقت يريدون منه الصراخ، والقارئ لمذكراتي سيكتشف الكثير من الخبايا العميقة والجراح النازفة في سيرتي المهنية التي هي عصارة ألم، ومرارة تجربة، وحصيلة لا خجل فيها والحمد لله.
الكتاب سيرة ذاتية فيها الألم ويحدوها الأمل، سيرة تمثل حالات عشق وشوق الى الجذور، فيها استدعاء لأيام خلت ولأحاديث مرت، لكنها تبقى كاشفة لأعماقي ولأحلامي، فأن يحلم المرء فذلك خيال جميل، يدغدغ المشاعر ويعرض أبهى صور «الآتي»، وأن يتحقق الحلم فهذا تجسيد للحلم في بهجة الواقع والإحساس به والإمساك به كما يمسك المرء بزهرة تنضح.. عطراً!
* هل تشارك في ندوات ومحاضرات من اجل التواصل بينكم وبين الصحفيين الجدد حيث الاشجار لا يمكن ان تنمو من دون جذور؟
ـ دائماً ألبّي دعوات الزملاء في كلية الإعلام بجامعة بغداد، للتواصل المهني، وانا عضو في لجنة تقييم صحف الكلية التي يصدرها الطلبة، كما اشارك في الندوات الاعلامية التي تقام في مختلف المواسم الثقافية.
* من كان القدوة لكم في الحياة الصحفية؟
ـ قدوتي في اسلوبية الكتابة الصحفية الكبير محمد حسنين هيكل، فقد تابعته مذ كنت يافعاً، وما زلت اعيد قراءات كتبه.
* مؤسستكم (بابل للإعلام) كانت حلماً وتحقق، ما طبيعة العمل داخلها؟
ـ مؤسستنا الوليدة رأت النور قبل نحو 4 سنوات، وهي تعنى بإصدار الصحف والمجلات للغير. واصدرنا مجلة (نادي الصيد) ثم اصدرنا مجلة (فنون تشكيلية)، وفي الآونة الاخيرة تخصصنا بإصدار الادلة التخصصية، ونحن عازمون على الاستمرار بهذا النهج ان شاء الله.



