متاهة
عبد شاكر
(كم تمنيتُ لو اني وُلِدتُ بعد الحرب، فقط لأعرف ماذا حلَّ بي)! ـ
عبد الحسين فرج
ألفى الرجل الوطني نفسه وسط بناء دائريّ الشكل خُرافي التصميم والضخامة. بناء غريب بغرف كبيرة وكثيرة، باردة ومظلمة، فارغة وخالية. كان الرجل عارياً تماماً لا يستر عُريه وعورته من شيء. وكانت قدماه تحتذيان بسطالاً عسكرياً مُترباً انتشرت على أجزاء منه نقاط دماء بشرية متيبسة. وجد نفسه يقف حائراً أمام أبواب مؤصدة للكثير من الغرف. أخذ يطرق بعضها ويحاول فتح أبواب بعضها الآخر. أخيراً صارت مقابض ومفاتيح أبواب تلك الغرف طوع كفه. فتحها تباعاً، غرفة بنخلة سامقة، غرفة تُشرف على صحراء ممتدة ومخيفة، غرفة بضريح أخضر، غرفة تطل على جبال شاهقة، غرفة تتجمل بصفحة نهر رقراق، غرفة بخارطة وطن محترق، غرف سوداء، غرف مشتعلة. عاد من جديد ليمارس فتح أبواب وأسرار تلك الغرف واحدة تلو الأخرى. دخل غرفة النخلة السامقة، هزّ جذعها بقوة على أمل أن تُسّاقطُ عليه رُطباً جنياً، لكن النخلة أسقطت عليه رؤوس أطفال مذبوحين!
هرب إلى الغرفة الثانية، امتدّ بصرهُ على امتداد بساط رملي متحرك وممتد إلى ما لا نهاية لصحراء قاحلة لا شيء فيها غير صوت نعي الريح!
خشيَ الضياع في متاهات تلك الصحراء القاحلة فأغلق الباب مرعوباً، اتجه إلى الباب الآخر،أبصر ضريحاً مغموراً بالخضار وقد انتشرت على جنباته المقدسة الكثير من المراقد والمساجد، دخل فرِحاً وقد غمرته طمأنينة رائعة. فتح باباً لهُ صرير وصدىً عظيمين. أفزعه ما رأى. أئمة مساجد معدومين ومذبوحين، وسيوفاً تصلي جماعة، مصاحف وكتب مقدسة كلها محترق وممزق بوحشيةٍ، بشراً مقتولين ببشاعة، سجّادات ومسابح مدماة، أما الأضرحة والمساجد الأخرى فكانت نظيفة ورائعة ومعطرة بمباخر من فضة وذهب ومرشوشة بمياه الورد ومغمورة ببياض مهيب. دخل باحاتها عسى أن يغمره نور الله، ما أرعبهُ حقاً إنها كانت أماكن مقدسة ولكن لا يُعبد فيها الله بل تُعبدُ فيها أوثان بشرية لها اشكال الشياطين!
هرب مستغفراً، مرعوباً من كل الغرف التي دخلها. صار يدخل الغرف الأخرى وكلما فتح غرفة جديدة أبصر كارثة أفظع من سابقاتها. غرفة الجبال الشاهقة وجد فيها الجبال وهي تنفجر وتنهار وتغدو ركاماً صخرياً يعلو ظهر الأرض! غرفة نهر الماء الرقراق وجدها قد جفّت كاشفة عن عظام بشرية وبنادق صدئة وخوذ مُدماة وبساطيل ورايات ممزقة مغمورة في الطين، وتماسيح وعظايا تخوضُ في ذلك الغرين لتلتهم كُلَّ شيء رؤوس المُقاتلين وبساطيلهمُ المُتربة والمُمزقة في مشاهد تبعثُ على القيء!
فتح غرفة أخرى وجدها مغمورة بظلامٍ مُخيف، هرب إلى غرفة أخرى، فتحها، وجدها مُشتعلة تعبثُ فيها أصواتًا مخيفةً تشبهُ ضجيج المراجل!
لم يبقَ أمامه سوى غرفتين. فتح الأولى، أبصر فيها خارطة عظيمة لوطن جميل يحترق عن بكرة أبيه، وأصوات استغاثات بشرية لا يحفل بها أحد!
ذهب إلى الغرفة الأخيرة مشيّعاً بضحكات هستيرية أخذت تتناهى إليه من دواخل كُلِّ الغرف التي دخلها وهرب منها مرعوباً. أدار مقبض تلك الغرفة فلم تُفتح. أدار مفتاحها القديم الذي علا الصدأ أجزاءً منه فلم يُفلح أيضاً، أخذ يطرق بابها بكل ما أوتيَ من قوةٍ فلم يُجبهُ أحد، أخذ يركلها بقدميه، ينطحها برأسه دون جدوى. أخذ أمام إحساسه بالرعب من الضحك الهستيري المقترب إليه من باقي الغرف يصرخ ويبكي ويستنجد ويتوسل ويستغيث، خائفاً من نخلة لا تُساقطُ عليه غير رؤوس أطفال مذبوحين، وصحراء قاحلة ببساط رملي ممتد ونعيِّ ريحٍ مُخيف، وأضرحة تصلي فيها السيوف جماعة ويُقّتَلُ فيها المصلون وتُعبد فيها الأوثان فوق جثث المُصلين المغدورين، وجبالًا تتفجر صخورها العظيمة وأنهاراً تلفظُ إليها بمئات التماسيح والعظايا العملاقة التي تلتهم عظام جنود الحروب والخوذ والبساطيل، وظلام مخيف ونيران متــّــــقدة كالمراجل وخارطة لم تُبقِ شيئاً لوطنٍ منسيٍّ إلا وأحرقته وأحالته إلى هشيم! كُلُّ هذه البشاعات صارت تتقدمُ إليه مسرعةً، مطلقةً أصواتاً مُرعبةً لضحكات هستيرية.
أحاط به الرعب من كُلِّ الجهات، الضحك الهستيريّ كاد يصمُ أذنيه، السُخرية بلغت ذروتها من عُريهِ الفاضح وبسطاله المُترب. أخيراِ فتح باب الغرفة الأخيرة بأريحية غريبة. دخلها على وجه السرعة، أغلق بابها بخوفٍ شديد، غمره سكون وصمت رهيبان وغريبان، اختفت عن عينيه كُلُّ صور البشاعات التي رأى. لم يعد يسمع أصواتاِ مرعبةً ولا ضحكات هستيرية. كان المكان هادئاِ يلفه السكون، سكون غريب لا همس فيه، ليس سوى رائحة غريبة لم يألفها من قبل. تطلع في موجودات المكان، لا شيء فيه سوى بدلة عسكرية برتبة عريف، وبندقية يعلوها الطين والصدأ، وخوذة يعلوها التُراب، وقرصُ هويةٍ يحمل اسمه وفصيلة دمه و رقم وحدته العسكرية، وصورة قديمة أكلت الرطوبة جُلَّ استدارة ملامحها حتى كادت لا تُعرف، وبقايا صخرة مرمرية تكشف عن اسمهِ الرباعيّ وتاريخ استشهاده القديم!



