مجالس عاشوراء…إستراتيجيّة بقاء

لطالما انشغل المفكّرون في محاولة فهم الأسباب الحقيقية خلف انهيار الإمبراطوريات والأمم عبر التاريخ. وصدّروا لذلك كتباً للإجابة عن هذا السؤال. فلكلِّ أمّةٍ أجل، ولا نجد في أيّامنا حضوراً لحضارات سلَفت وبادت. ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(آل عمران: 140)..لا بدّ من وجود علل وأسباب لانتهاء الدول، و وجود «متغيّرات مستقلّة» تقف خلف خسارةِ قادةٍ لسُلطتهم مع مرور الزمن..فغريزة الرياسة قويّة للغاية، وقد حصرها الفقه السياسيّ الإسلاميّ في المعصوم عليهم السلام أو الحاكم العادل المعيَّن من قبله؛ لخطورتها (فالمُلك عقيم).ويُثبت لنا التاريخ إلى أيّ حدّ عضّ متسلّطون على نواجذ نفوذهم حتّى لو استلزم الأمر أن يُفسدوا في الأرض أو أن يَسفكوا الدماء. ورغم ذلك، فَقَد المتشبّثون بسلطانهم نفوذهم لأسباب شتّى. ولا نتناول هنا السبب العسكريّ المباشر بالقهر والغلبة والاستيلاء، فهو سبب خارجيّ، إلّا أن يكون مسوّغه ضعفاً وترهّل داخليّاً…من هنا، لا يكاد يخلو مصنّف جدّي في فنّ السياسة من البحث في سبب انهيار الدول. هناك آراء عدّة، لكنّ الأبرز فيها، حديثاً، يركّز على مشكلة التفاوت الطبقيّ في امتلاك وسائل الإنتاج؛ ما يسبّب الشعور بالظلم والمواجهة التي تؤدّي إلى الانهيار. مقابل ذلك كانت بعض الطروحات لعلاجها:تحطيم البنية الفوقية وإلغاء الدولة في المرحلة الشيوعيّة..وحصر أكبر قدر من القوّة في يد الحاكم،وتوزيع معقول للقوّة لم تثبت كفايته في منع الأفراد من التسلط.
كانت الأفكار ذاتها للماديّين عبر التاريخ. يُعاد إنتاج التبريرات نفسها دائماً، حتّى فكرة حكم الشعب (الديمقراطية)، فليس جديداً إيهام الشعب بإشراكه في الحكم؛ لتسكينه، وتأخير قيامه ضدّ احتكار السلطة. كما إنّه ليس جديداً إغراقه في الركض وراء حاجاته، أو لذّاته، لصرف انتباهه.فشلت أفكار الاتجاهات المادية في ضمان استمرار الحكم للسلالات أو النخب الحاكمة، ولم ينته «التاريخ» بأحد..فجاءت دوريّة التاريخ كتب عنها كثيرون ومنهم ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة. وتقوم «دوريّة التاريخ» على فكرة مفادها أن الدول كالبشر، يولدون ويصبحون شباباً ثم ناضجين ثم يشيخون ويموتون،ويمكن تقسيم هذا الحقبات إلى أربع: ولادة، شباب، نُضج، كهولة وموت.
الحقبة الأولى
تقوم الأمم على أكتاف أفراد الجيل المؤسّس الذين يتمتّعون بمزايا نادرة. وهذا مُلاحظ في «كلّ» الأجيال المؤسِّسة للتنظيمات والحكومات، حتّى لو كان الاستيلاء على الحكم بالحظّ، أو بإرادة «مستعمر». فهم «مضحّون» ومندفعون وأحلامهم كبيرة. لهذا السبب، تنهض الدول وتنجح بمقوّمات داخلية متحقّقة، بالإضافة إلى العوامل الخارجية المحتملة.
الحقبة الثانية
يختلف دافع الجيل الثاني، فهو لم ينهض من العدم، لكنّه ما زال متّصلاً بالجيل الذي سبقه، ويحمل معه بعضاً من حسّ التضحية والعطاء. ولهذا السبب، يستمرّ المسار في التصاعد، وتنتشي الدول بقوّتها وتفوّقها.
الحقبة الثالثة
يضرب الفساد واستغلال النفوذ والسعي للمناصب بنيان الدولة، والسبب هو تراجع الدافعية التأسيسية الأولى، وتزايد المنافسة على حيازة القوّة ممّا هو متوفّر.
الحقبة الرابعة
هنا التردّي في الحكم يكون مآله واضحاً. ينفصل الجيل الرابع عن دوافع الجيل الأول تماماً ويرث الفساد والامتيازات من الجيل الثالث، فتصل الدولة إلى كهولتها، وتموت في زمن تصاعد قوة بديلة وجيل جديد بأفكار مغايرة.
هذه الحقب تتفاوت مدّتها بحسب العناصر المساعدة التي سبق ذكرها، فالمُلك يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم.
انقسام المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ما الحلّ إذاً، خصوصاً في هذا الزمن الذي تسارعت فيه السياسة، وأصبح عمر الدول أقصر؟ هنا نستفيد من معين رسالة الإسلام العظيمة، ففيها بعض الأجوبة، ولكلّ واقعة «جواب»أسّس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دولة الإسلام الأصيل، ضمن ظروف التأسيس الصعبة والقصيرة، في مجتمع المدينة لعشر سنوات. انقسم المسلمون بعد رحيله إلى فرق مختلفة، ودعمت السلطات الحاكمة، لا سيّما الحكم الأمويّ، منطقاً يبرّر للظلم. فعلى المسلم، وفق هذا المنطق المنافي للإسلام، قبول ظلم الأمير، ولو ضرب ظهره وأخذ ماله، وأصبح مفهوم طاعة ولاة الأمر يصدُق على الحكّام الظَلَمة، رغم أنّ الركون إليهم نتيجته النار.هنا خرج الإمام الحسين عليه السلام على يزيد الأمويّ، ورفض بيعته، وقَبِل أن يدفع هو وأهل بيته وأصحابه ثمناً باهظاً نتيجة هذا الخيار، في عمل استشهاديّ جماعيّ لا مثيل له في التاريخ. ما الذي نتج عن ثورة حفيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الظلم وتشريعه؟النتيجة الأولى: إيقاظ الأمة من غفلتها. ودليل ذلك الثورات التي أطاحت بالسلالة السفيانية، ولاحقاً بالسلالة المروانية على يد العباسيّين تحت شعار «يا لثارات الحسين»والنتيجة الثانية: لافتة للنظر جداً، وهي إصرار أهل البيت عليهم السلام على إحياء شعيرة عاشوراء، كلّ عام. أكثر من ذلك، كان هناك التشديد على البكاء، بل التباكي، وذكر مصيبة الطفّ في الزيارات، وفي كلّ زمان ومكان..ماذا يعني ذلك بالتحليل الموضوعيّ؟ يعني أنّ هناك فئة من البشر اليوم، تبكي وتستذكر تضحية قائدها الذي عاش منذ أكثر من ألف عام، بحرقة وتمثّل واستحضار وخضوع عجيب. ويخرج أحياناً بعض الأشخاص لينتقدوا هذا الإصرار على إحياء ذكرى كربلاء، ولو عرفوا قيمة هذا الإحياء لسارعوا إلى توثيقه كاستراتيجية بقاء للأمم. بسبب ما يفيده ذلك..ففي المنطق العقلانيّ، فإنّ الباعث الأساس، وفق دوريّة التاريخ، لنهوض الجيل الأول، يصلح ليكون الترياق المناسب لاستمرار الدول في الحكم، في حال قدرنا على تحديد الباعث الأول وتجديده كلّ جيل. يشبه الأمر تماماً إيجاد جينات الشباب، نظريّاً، وحقنها في الإنسان كلّ سنة. لم يكن حافز الجيل المؤسّس لأي حضارة وجود المال بذاته، أو القوّة بذاتها، بل قوّة الدافع بذاتها. هذا الدافع الذي جعلهم يقبلون التضحية، وحاضرين للمجازفة. إذاً، هي «التضحية» (لأجل غايات سامية)، وغيابها هو سبب معاناة الماديين عبر التاريخ، وانتهاء حكمهم كلّ حين. العلل متعدّدة، لكن حسّ التضحية هو الأهمّ، وهذا عنصر ذاتيّ، وليس موضوعياً، فكيف يمكن زرعه في الأجيال المتعاقبة؟
الإسلام حسينيّ البقاء
يتميز محبّو أهل البيت عليهم السلام، من ضمن مزاياهم، بتعلّقهم بالحسين عليه السلام، وبكائهم عليه دائماً. سبق لأتباع بعض الأديان فعل ذلك مع رموزهم حسبما يبدو، وبشكل محدود، أمّا الدوام والحثّ فتميّز به أتباع الحسين عليه السلام فقط. هنا مصنع للتضحية، وهذا ما يرتّب مسؤوليات عظمى على الجهات الناظمة للمجالس الحسينية ومضمونها وما يقترن بها، وهو موضوع آخر،لولا الحسين عليه السلام لما بقي الإسلام. وبالحسين عليه السلام لن تنهار دولة أساسها مجالس إحياء تضحياته. الإحياء السنويّ والدائم لمجالس عاشوراء هو الذي ينتج «الجيل الأول»، من أجيال دوريّة التاريخ، إلى الأبد، وبه تستمرّ الدول. صدق القائل: الإسلام محمديّ الوجود، حسينيّ البقاء.



