النسخة الرقميةثقافية

رأس السنة اليهودية

سعيد الحِفاظي

عشية رأس السنة اليهودية تبدأ في الأول من شهر تشرين عام 8775 وتوافق يوم الأربعاء 02 أيلول عام 7102 م.ما نظام السنة اليهودية؟ ومصدرها؟ وكم عدد أيامها؟ واسم أول يوم منها؟ وكيف يستطيع اليهود الاحتفال بالمناسبات في الوقت نفسه من الأعوام اللاحقة؟

وما الشعائر المتبعة عند اليهود في رأس السنة؟ وما أهم طقوس أول يوم منها؟ وماذا يؤكل في هذه المناسبة؟ وما المناسبات في أول شهر من السنة؟
تناولت بعض القنوات الفضائية هذه الأيام عبارة (رأس السنة اليهودية)، فسألني احد أصدقائي مستفهماً عنها كوني متخصصاً في هذا المضمار، وممن يملك إجابة كافية عنها، فتبلورت في ذهني فكرة الكتابة عن هذا الموضوع موضحاً فيها كل ما يكتنفه من غموض، متوخيا الاستفادة منه خدمة لمن يبحث عن المعلومات التاريخية العامة والخاصة، ولا سيما ما يخص بلدنا وحضارتنا، ولكن في الحقيقة إن الموضوع يحتاج إلى بعض التركيز لان التقويم اليهودي تقويم معقد كونه يعتمد على الحسابات الرياضية والفلكية، ولهذا التعقيد سببان:
الأول، أن حساب الشهور يتبع الدورة القمرية، فنجد أن الشهور مكونة إما من ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، وبذلك تصبح السنة الاعتيادية 354 يوماً بينما تصبح السنة الكبيسة 384 يوما يُترك في كلتا السنتين سقف زمني أمده 72 ساعة للسماح في حرية التقديم والتأخير. بينما يتبع حساب السنين الدورة الشمسية وذلك حتى يستطيع اليهود الاحتفال بالأعياد الزراعية في مواسمها. والفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية أحد عشر يوماً، فكان لا بد من تعويض هذا الفرق في عدد الأيام حتى يتطابق الحسابان، ولذلك احتال اليهود على التقويم وقاموا وبشكل حاذق وذكي بإدخال تعديلات معقدة بحيث يتطابق التقويمان تمام التطابق مرة واحدة في كل عشرين عام، فأضافوا شهراً كاملاً مدته ثلاثون يوماً في سبع سنوات محددة من هذه الدورة العشرينية، وهكذا. ويأتي هذا الشهر الذي يُقحَم على السنة، بعد آذار، ويُسمَّى بالعبرية «آدار شيني»، أي «آذار الثاني» (أواخر شباط) حيث تصبح سنتهم الكبيسة مكوَّنة من ثلاثة عشر شهراً.
الثاني: وهو سبب شعائري بحت يتعلق بمزامنة عيد يوم الغفران أو عيد رأس السنة مع يوم السبت. ولذلك، فقد تُؤجَّل بداية السنة عندهم يوماً أو يومين حسب الأحوال، وطبقاً للحسابات اليهودية الفلكية، هناك أيام محدَّدة يبدأ فيها كل شهر، ولا يجوز أن يبدأ بغيرها. ورأس السنة عيد يحتفِل به اليهود لمدة يومين لصعوبة تحديد اليوم الفعلي لظهور القمر، ويسمى بالعبرية «روش هشَّانا» يبدأ في الأوَّل من شهر تشري العبري الذي يوافق ما بين شهري (أيلول وتشرين الثاني) وهو عام التقويم المدني عند اليهود. وكلمة تشري مشـتقة من اللفظ الأكدي «تشرينو»، وتعني البداية. وقد حـدَّد حاخــامات اليهود تاريخ بدء الخليقة (على أساس التواريخ التوراتية) بســنة 3761 قبـل الميــلاد. ويعدّ شهر (تشري) من أكثر الأشهر أعيادا ومناسبات عند اليهود حيث تقع فيه عدة مناسبات مثل صوم جداليا وعيد يوم الغفران وعيد المظال وعيد بهجة التوراة. ويعتقد اليهود ان اليوم الأول منه هو يوم الحساب ويسمى (يوم هدين)، حيث يحاسب الإله العالم بأسره وتمر فيه المخلوقات أمامه لذلك على اليهودي أن يحاسب نفسه في هذا اليوم عما ارتكبه من ذنوب في السنة المنصرمة (وفي هذه الشعائر بصمات بابلية). وكذلك يُسمَّى (يوم هزيكرون يوم الذكرى. وهو ايضاً الشهر الذي يُحتفَل فيه بالخروج من مصر، أهم أحداث التاريخ المقدَّس عند اليهود، وهو التاريخ الذي تم فيه خلق العالم (والحاخامات لا يتفقون جميعاً مع هذا الرأي). ويعود هذا الاختلاف إلى أن الحضارة العبرانية كانت تدور في فلك الحضارة البابلية المتفوقة التي صبغت الشرق الأدنى القديم بصبغتها.
ولا يُعد عيد رأس السنة أهم الأعياد اليهودية. ومع هذا، فقد اكتسب دلالة دينية وقدسية خاصة لأنه أوَّل أيام التكفير التي يبلغ عددها عشرة، والتي تنتهي بأقدس يوم لدى اليهود على الإطلاق، وهو يوم الغفران الذي يسمى (يوم كيبور). واعتاد اليهود على مخاطبة بعضهم البعض في عيد رأس السنة اليهودية بعبارة (فليُكتب اسمك هذا العام في سجل الحياة السعيدة). ومن أهم طقوس ذلك اليوم النفخ في البوق (شوفار)، حيث ينفخون فيه بثلاثة أصوات مختلفة لكل صوت منها دلالته الخاصة. وهم في هذا اليوم أيضاً، يرتدون الثياب البيضاء أثناء الصلاة. ويرتبط كثير من التقاليد اليهودية بهذا العيد، فمثلاً تُجهز أطباق من الطعام ذات دلالة معيَّنة، كالخبز والتفاح الممزوج بالعسل، والذي يؤكل مع تلاوة صلوات تعبِّر عن الأمل في سنة حلوة قادمة (شانا طوفا = سنة طيّبة)، أو يُقدَّم رأس سمك حتى يكون المرء هو الرأس دائماً ولا يكون الذنب أبداً. أما في اليوم التالي من العيد، فلا بد له أن يذوق فاكهة جديدة لم يسبق له أن أكلها طوال الموسم الماضي. وهناك تقليد (غسل الذنوب) يُتَّبع أيضاً في هذا العيد، إذ يذهب اليهود عصر ذلك اليوم إلى الأنهار، أو أي مكان فيه مياه جارية، ليتلوا الصلوات ويُلقوا خطايا العام الماضي إلى المياه لتحملها بعيداً، وبذلك يبدأون العام الجديد بلا ذنوب. ويُقال أيضاً في تفسير هذا التقليد إن أسماك الأنهار وعيونها المفتوحة دائماً تُذكِّر الناس بعين الإله الساهرة التي لا تغفل عن مراقبة مخلوقاته. وهو من الأعياد التي يشترك فيها غير المتدينين عندهم وتوافق هذه السنة حسب التقويم اليهودي عام 5778، وتكتب بالأحرف وليس بالأرقام. وتوجد في التوراة في سِفر نشيد الأناشيد كثير من الأشعار والتراتيل التي كان يتلوها يهود بابل على ضفاف أنهارها العظيمة. ومما يجدر ذكره إن اليهود العراقيين هم من اعرق الطوائف اليهودية أصالة في العالم وهم الورثة الحقيقيون من حيث النقاوة ليهود بني إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى