رواية (سلالم الصحو).. التشابك الجدلي بين المضمون والإطار

أحمد البياتي
(سلالم الصحو) رواية للكاتب والقاص جابر محمد جابر صدرت عن منشورات دار بعل للطباعة والنشر والتوزيع ـ دمشق جاءت بـ(119) صفحة وهي من القطع المتوسط.الخلق الفني كعملية نفسية تتم أثناء اجرائها، تكون مرتبطة بشخص الفنان او المبدع، وليست بعيدة عن طبيعة التراث الفني الخاص بفنه الذي يمارسه الكاتب شعراً كان أم قصة أو رواية، الى جانب طبيعة المجتمع الذي يظهر فيه هذا النتاج الفني بخصوصيته التي هي جزء من الحركة الدائبة في العالم المعاش باليتها وديناميكيتها الدائمة.(صحيح جداً، لأن الكاتب قد رسم جغرافية القصة او الرواية وبذل جهداً، ليجعل أماكن الأحداث واقعية مثل شخصياته، قرأت في سيرة (نورمان بودوريستز) الذاتية..» الكتابة واحد من أشد النشاطات الإنسانية غموضاً ولا أحد، حتى المحللين النفسانيين، يعرف القوانين التي تحكم حركتها أو توقفها.. فالقصيدة والقصة والمقالة وحتى المقالة النقدية.. هي هناك.. حتى قبل أن تكتب أية كلمة على ورقة وفعل الكتابة إنّما هو فعل اكتشاف المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق التيار ويجعله يتدفق)، الرواية ص 27.ولما كنا لا نستطيع ان ننظر الى العمل الفني بعيداً عن طبيعة المجتمع الذي بداخله، بعدّ انه الأرضية الأساسية لكل التطورات التي تحدث فيه، حيث هو الذي يقدم للمبدع خاماته التي سوف يعيد من جديد تشكيلها على الشكل الذي يراه، حيث كانت الأحداث والهواجس هي الخامات التي يقدمها له الواقع من حوله كي يعيد صياغة شكله على الصورة التي يراها تلبي حاجاته النفسية وترضي مشاعره وتثري وجدانه.
(مضت الأيام مسرعة وتوالت السنون بعد أن رقن قيده في الكلية، اجتهد كثيراً وتفوق على زملائه في العمل، أصبح مسؤولاً عن وجبة إنتاج، رُزقَ بابنةٍ جميلة تشبه أمها كثيراً أسماها (نادية) فرح بها كثيراً.. لكن فرحته لم تدم، سرعان ما توفي والده وتشتت شمل العائلة بسبب طمع إخوانه.. تنازل هو عن حقوقه في الميراث لأمه بمشورة عمه عبد الله)، الرواية ص 43.بهذا الاسلوب الفني التعبيري والتصويري ينتقل جابر في اجزاء روايته مصوراً ملامح عالمه، لكنه لم يقف عند مهمة المصور فقط، بل أضاف الى بنائه الفني المعنى الكبير بداخل كل حلقة، فقد اعطاها رحلة كاملة هي حياة الإنسان، إذ كان يرصد مختلف التطورات والتحولات التي تحدث بالمجتمع كخلفية لعمله الفني محتفظا بنظرة المؤرخ المستترة خلف العمل الفني، وما أبطاله إلا نماذج مختلفة لما كان يزخر به الواقع المعاش.(باشر عمله الجديد وسط تردد ومخاوف من إخفاقه وبالتالي الإستغناء عن خدماته، ومن حسن حظه أنه عَمَلَ مع سيدة حكيمة تحترم خيارات زوجها وتتعاطف مع قراراته ورغباته، ما أن شرح لها حالة صديقه صبحي، وافقت على الفور، لأنها تعلم دقة وحسن اختيار زوجها لأصدقائه، وبمرور الأيام، أتقن العم صبحي أسماء الأدوية واستعمالاتها)، الرواية ص 71.
هكذا يبين المؤلف من خلال النسيج الدرامي لعالمه مقدار التمسك والالتصاق بينه وبين ابطاله، كما يبين كيف يعيش حياته معهم بصدق شديد دون زيف، انه الطائر الدائم التحليق والذي يبحث عن عشه، ثم بحث البطل عن نصف الذات الضائعة والتي عثر عليها (نجوى) حتى تم الارتباط بها من (خالد)، مما جعل خطواته في حركته تتم بفعل ذلك الارتباط. لذلك ليس غريبا ان نرى ملمحاً هنا او هناك لأحد الشخصيات، لكن في ظروف موضوعية مختلفة.
(غادر فخري الدار وهو يمني نفسه بإقناع نادية السفر معه أو على الأقل بالتمرد على غريمه صبحي بعد إغرائها بالمال والذهب.. هكذا كان يفكر فخري، الانتقام من صبحي! حتى وإن كان بعد عشرين سنة.. هو الريفي الذي تعلم بأن الثأر لا يموت مهما تقادمت السنون والأيام)، الرواية ص 90.
في هذه الرواية التي اشتغل عليها المؤلف وجدته يتنفس الواقع برؤية معاصرة تضع بصمتها وتعلن وجودها اذ تقوم على فك تلك التشفيرات المتطايرة وتستوعب هذا الكم الهائل من الاحداث القائمة على الغرابة والغموض.
ان ظاهرة السبق في الأدب والفن لا تقوم في المقام الأول على استحداث الشكل الجديد بقدر ما كانت تربط بالفكر الذي يحمله العمل الفني على ألسنة أبطاله، والحياة دائمة العطاء بمن لديهم بصيرة التطلع نحو المستقبل، من هذا نجد ضرورة كبيرة في عملية ربط الفن والأدب بحياة الإنسان وآماله وطموحه وخيباته ونزواته، فقد كان الفن دائما ما يضيف شيئا الى المسيرة الأدبية الدائمة التجدد للإنسان عبر التاريخ.
(- والله يابنتي، التقيته يوم أمس، قرب أحد المطاعم الشعبية، تجاهلني، لكنه ندم ولحق بي، كنت ارقب حركاته وأحذر من غدره. على العموم جلسنا معاً، وطالبني بحصته من ورث جدك، أخذته إلى سيد صاحب الذي كتب تنازل جدك لأمك، لكنه لم يقتنع وطالبني بأن أقسم في ضريح سيد منيهل، فقبلت..
ـ خالي، هذا أما مجنون أو يفتعل الجنون، أو ممثل شاطر.. لقد ذكر لي أشياء وأمور، فرحت بها حقاً، لقد صور لي حياته الأسرية السعيدة مع عائلته.. غيّرت هي اتجاه الحديث وكأنها تذكرت شيئاً ما فاستطردت قائلة:
ـ حسناً أبي.. من قال لك أنه خرج تواً من السجن؟
ـ أحد أصدقائه من أرباب السوابق مثله وبالمصادفة!
ـ عجيب لقد أراني جواز سفره وتأشيرة دخوله قبل خمسة أيام)، الرواية ص 96.
في الواقع ان كل مضمون يفرض شكله الملائم، وليس على الكاتب إلا حل المعادلة التي تعد صعبة، مفسراً التشابك الجدلي بين مضمونه الذي يحمله ويريد توصيله، والإطار الفني الذي يصب فيه هذا المضمون، ولقد حاول الكاتب جابر ان يصور عالمه وذلك من خلال عرضه للحوادث والتفاصيل في جميع اجزاء الرواية باستخدام عبارات بألفاظ موحية ومركزاً في المعاني ذات حيوية لتوصيل الجو الذي يريد توصيله.
(يبدو أن الأحزان التي غادرت منزل العم صبحي، توجهت نحو منزل السيد خالد، إذ سرعان ما وصله خبر تعرض شقيقه ماجد إلى حادث سيارة، فيما تصاعدت هواجس السيد خالد، بفعل إحساسه بانطفاء نصف ذاكرته. ذات يوم طلب من صبحي أن يناوله المرآة الصغيرة التي جلبتها له زوجته مع ما جلبت من احتياجات، ثم طلب منه أن يغادر المستشفى مفتعلاً احتياجه الى بعض الأشياء، ما كان من صبحي إلا أن ينفذ رغبات صديقه)، الرواية ص 107.
المؤلف في هذه الرواية تتبع الشخصيات في كل مكان كي يستطيع ان يكتب عنها ويقدمها، الا أنه كان يتناسب كثيرا مع ما يريده هو في تحليله للشخصيات بداخل الرواية، التي لا يقلّل من قيمتها الفنية ما ضمته من شهادات واقعية وحقيقية، كان يحاول من خلالها ان يبين قوة النسيج الاجتماعي الذي دائما ما يكون هو الباعث امامه كي يقوم بعمل تلك المغامرة التي هي كتابة الرواية.
(نجوى) هي الشخصية الرئيسة الثانية بعد البطل (خالد) الشخصية الرئيسة الاولى التي تدور حولهما الاحداث. ولأن الكاتب تتبع حياتيهما، وابتدأت عندما تعرف عليها في الكلية وبعدها تم الارتباط بها، فانه لم ينس تفاصيل التفاصيل في حياتهما الخاصة، فمن خلالها تتوزع جميع الخيوط الدرامية للرواية وحولهما تدور جميع الشخصيات الثانوية: د. احمد ود. محمد وزينب وفخري ونادية والعم صبحي وغيرهم من الشخصيات، اذ جعلها الكاتب ترتفع بداخل العمل فتصل الى مستوى الرمز بدلالاتها المتعددة.(قالت نجوى وهي واثقة من نفسها، بعد أن وزعت نظراتها بين خالد و زينب: أعتقد أن الكاتب، أو لنقل مؤلف العمل الأدبي، هو أقرب لنصه وأكثر فهماً لكتاباته، فالكتابة ليست كغيرها من الأعمال الأدبية أنها فن والقدرة على الكتابة، موهبة.. يحضرني قول لـ(ارنست همنغواي) وهو يصف الرواية بأنها مثل (كتلة جليدية عائمة في البحر، ثلثاها مغمور في الماء).. ليس مهماً للكاتب أن يستخدم كل التفاصيل والملامح التي يرسمها لشخصياته، إنّما المهم أن تكون هذه الملامح واضحة للقارئ)، الرواية ص 26.ما هو جديد في هذه الرواية انها قلصت الفجوة الكبيرة بينها وبين قارئها المحلي، وهذا ما دفع الروائي الى تلمس العتبة الأولى في تفكيك بنيتها وخطابها للوصول الى ملامح وسمات خاصة بها.



