ثقافية

السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

1307 1308

الحلقة 1

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتاب (السيف والفتوى) ل د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.

الفصل الأول
مدخل إلى مفهوم الإبادة الجماعية وموقف الإسلام منه
قبل الخوض في معرفة العوامل التي تؤدي إلى الإبادة الجماعية، ومعرفة أشكالها ومراحلها، لا بد لنا أولاً أن نعرج على معرفة مفهوم الإبادة وما المقصود منها، والتعرف على موقف الإسلام من موضوعة الإبادة.
1. مفهوم الإبادة الجماعية: يذهب مفسرو اللغة العربية إلى القول إن كلمة «إبادة» تعني «الوحشية» حيث جاء في كتاب العين للفراهيدي قوله: (الإبد: الوحشية، وتأبدت الدار: خلت من أهلها)، ويقول الرازي: (أباد بمعنى هلك)، ويضيف الفيروز آبادي بقوله: (والأوابد الوحوش لأنها لم تمت حتف أنفها). وربما قصد الفيروز آبادي بأن مصطلح إبادة ينطبق على كل شخص يموت قهراً وليس موتاً طبيعياً، وإبادة أسم يعني التدمير والفتك.
وتعني من الناحية اللغوية تبعة ما يجعل المرء ملزماً بعواقب أعماله ومطالباً بما فعل، مما يوجب عليه التعويض عن خطأ أو الاضطلاع بأعباء أو إنجاز، وأن المسؤولية ما يكون به الإنسان مسؤولاً ومطالباً عن امور أو أفعال أتاها.
لعل تفسير اللغويين العرب لمصطلح إبادة يأتي متناسقاً تماماً مع ما جاء بالقرآن من آيات بخصوص الموضوع عينه. فقد جاء في سورة المائدة (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون).
لقد إختلف المفسرون في الوجه المبرر لتشبيه القتل الإفرادي بالقتل الجماعي، وإحياء الفرد بإحياء الناس جميعا، فمن قائل: أنه مبالغة في الردع عن جريمة القتل والحث على إنقاذ النفس وتخليصها من المهلكات، كالغرق والحرق وما إليها من إغاثة الملهوف، ومن قائل: إنه بيان لحقيقة القاتل والمحسن، بأن من أقدم على قتل واحد يقدم على قتل الناس جميعاً، تماماً كما يقولون من يسرق البيضة يسرق الجمل، ومن أحسن إلى واحد من الناس يحسن للجميع ما دام الدافع له حب الخير والإحسان، وقال آخرون: إنه بيان للطبيعة النوعية في الإنسان، وإنها تتمثل في البعض والكل على السواء، لا تزيد بكثرة الأفراد ولا تنقص بقلتهم، والذي نفهمه من الآية الكريمة أن الفرد في نظر الإسلام هو غاية بنفسه، لا وسيلة إلى غيره وأنه ظاهرة إنسانية له ما لها من الحرمة والكرامة، وأن العدوان عليه عدوان على الإنسانية التي تتمثل به وبالناس جميعا لذلك فالإبادة هنا لا تفسر على أساس العددية كمقياس على أن الجريمة هي إبادة أم لا، بل أن قتل شخص واحد دون وجه حق أو ذنب يستحق عليه القتل تعدّ إبادة للمجتمع.
جاء مصطلح «الإبادة الجماعية» والذي يعني (genocide) عن طريق الجمع بين كلمتين وهما (geno) اليونانية والتي تعني سلالة أو عرق أو قبيلة، وكلمة (cide) اللاتينية التي تعني القتل، ولم يكن المصطلح موجوداً في القوانين الدولية قبل عام 1944، هذا المصطلح له مدلول خاص جداً حيث أنه يشير الى جرائم القتل الجماعي المرتكبة بحق مجموعات معينة من البشر بقصد تدمير وجودهم، وقد أقرت الأمم المتحدة اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها في (9 كانون الأول 1948) وعدّت هذه الاتفاقية بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها بمنعها والمعاقبة عليها وعرفتها: (تعني ارتكاب أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين)، وحددتها بالجوانب التالية:
1. قتل أعضاء الجماعة.
2. إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة.
3. إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كلياً أو جزئياً.
4. فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة.
5. نقل الأطفال بالإكراه من جماعة الى أخرى.
أما في علم القانون فإن تعريف المسؤولية يختلف عن المفهوم اللغوي، فإذا كان التعريف اللغوي للمسؤولية يحصرها بالشخص الطبيعي وهو الإنسان، فإن المسؤولية من الناحية القانونية تشمل الشخص الطبيعي والشخص المعنوي أي إن الفعل قد يرتكب من إنسان وهو الشخص الطبيعي أو أن يقع من شخص معنوي مثل الشركة أو الجمعية أو المؤسسة أو الوزارة أو الدولة، فالمسؤولية يقصد بها قانوناً المؤاخذة أو المحاسبة عن فعل أو أمر ما، وجزاء ذلك التعويض أو العقاب أو التعويض والعقاب معاً.
لهذا يقر القانون الجنائي المسؤولية الجنائية على كل من ارتكب وشارك وسهل وقدم التجهيزات والعتاد الخاص ومن أصدر الأوامر وخطط ونفذ العمل أو الأعمال مما يشكل أفعالاً جنائية خطيرة تستحق العقاب فضلاً عن دفع التعويضات للمتضررين. وإذا كان جزاء قيام المسؤولية الجنائية هو العقاب على جميع هؤلاء فأنه لا يجوز العفو عنهم ولا تخفيف العقوبة الصادرة ضدهم، ولا يجوز منحهم حق اللجوء ولا تسقط جرائمهم بالتقادم أو بمرور الزمن طبقاً لاتفاقية «منع إبادة الأجناس والمعاقبة عليها لعام 1948».
لجريمة الإبادة الجماعية شروط لارتكابها توفر الركنين المادي والمعنوي، فالركن المادي في هذه الجريمة يتمثل في وقوع القتل، أي قتل أفراد من الجماعة ويقصد به ضرورة القتل الجماعي. ولا يشترط ان يصل عدد القتلى الى حد معين، المهم هنا أن يقع على أفراد الجماعة. كما لا يهم على من يقع عليه القتل سواء كانوا رجالاً أم نساءً أو اطفالاً.
أما الركن المعنوي فيتمثل في نية الفاعل لتدمير هذه الجماعة سواء كان كلياً أم جزئياً، بمعنى أن ينصرف علم وإرادة الجاني اثناء ارتكابه للفعل الى الإبادة ونية التدمير هذه هي ما يميز جريمة الإبادة عن غيرها من الجرائم الدولية، ويعاقب الفاعل في هذه الجريمة على جميع صور الاشتراك فيها كالتحريض والاتفاق والمساعدة وكذلك على الشروع فيه.
لعلنا في هذا المضمار نتساءل آلقتل بالمطلق يعد إبادة أم أن هناك شروطاً وشرائط تحدد هذا التعريف؟، وبتوضيح أكثر هل الإرهابيون والقتلة الذين يعيثون بالأرض فساداً يخضعون لذات التعريف؟ والجواب ليس المراد بمصلحة الفرد المصلحة التي تطغى على مصلحة الجماعة وتتنافى معها، ولا المراد بالفرد الذي يحاول العيش على حساب غيره من الناس، أن هذا لا يعد إنساناً بالمعنى الصحيح، بل هو أعدى أعداء الإنسانية في نظر الإسلام وإلى هذا يومئ قوله تعالى (أو فساداً في الأرض) انما المراد بالفرد الذي يستمد مصلحته من مصلحة الجماعة، كما أن المراد بمصلحة الجماعة مصلحة جميع أفرادها، لأن الجماعة ليست مجموعة أصفار وإنما هي مجموعة أفراد. فأي جماعة يوجد فيها ضعيف واحد يخاف على حق من حقوقه فهي ضعيفة في كيانها، فاسدة في أوضاعها تماماً كالجسم إذا فسد بعض أعضائه، أو البيت إذا أنهدم ركن من أركانه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى