المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


الحلقة التاسعة
زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.الآن
إنّه ظلّي ذلك الذي أخبرته آخر قراراتي.. عادة أكلّم ظلّي، لأنه متغيّر لا يستقر على حال. بذلك أضمن أنّه لن يكون ثابت الرأي أبداً أو متحجراً ومتشبثاً بما أبوح له. يعود ذلك لعشقي للتغيير والانتقال والتبديل. هذا يمنحني شعوراً بالدوران كما الدرويش في حالة الرقص الصوفي، يدور ويدور ممسكاً الدف بيده حيناً وقطعة من القماش الملون أحياناً كلّما دار ظهر منه الأجمل. هذا يخلق شيئاً جديداً في النفس الراكدة تماماً كما الجنين في بطن أمه. الدوران ينذر ويعلن انتهاء النمو والقرار بالخروج مع أنني لا أحب هذه المخلوقات الصغيرة الغريبة.. إلاّ عشقي للمميّزين منهم كيوسف أخي الصغير. قراري السيئ الذكر سيكون أن أنصّب نفسي رئيسة لجمعية المتلصّصين. ستضم هذه الجمعية كلّ المميزين والتعساء. تجربة جديدة. ومن قال إن التجارب لا تبدأ من نقطة الملل؟! أنا أقول وأقرّ وأعترف لي ولظلّي ولجنوني ولعارف صديقي أيضاً أنه كاذب مَن قال (الحاجة أم الاختراع). الحاجة تجعلك تقبل بأي شيء يُقدم لك بأي فكرة بأي اقتراح مشبوه لأن الحاجة تذلّك. وحده الملل يحكم هذا العالم ثم تليه التعاسة. كلاهما يحثّانك على خوض التجارب والاحتكاكات الإنسانية. أخبرتظلّي أموراً كثيرة وقررت كتابتها كي لا أنسى. هذا هو بيت القصيد. سأنسى ربما، لا بل أنا جازمة جداً أنّني كأبي أملك عينيه وملامحه وحتى ذاكرته. كلّما قررت أن أكرهه وأكون حانقة عليه تتراءى لي ذاكرته التي ضاعت وعاد حينها طفلاً. حسناً هذا أمر آخر، كل ما يحمّسني الآن هو الكتابة لأني وعدت صديقي هادي أن أقابل صديقه المتيّم بتعاسات الآخرين. ربما سأقنعه أن يطبع رواية هادي (الحنين) التي يروي فيها حكاية عشقه لوالدتي التي لم تكتمل. هادي يرفض هذه الفكرة، فهو يعلم أن هذا الزمن لم يعد زمن العشاق والحب والقصص الرومنسية القديمة، كما يدّعي ولى زمن الحب الجميل «مَن سنقنع أن يبتاع رواية عن عاشقَيْن لم تكتمل قصة عشقهما؟ تباً لهما ولعشقهما من يأبه»؟ هذه جملته التي يردّدها دوماً كلّما ناقشت معه أهمية نشر رواية أمي كما كنت أسميها، أردت رواية أو كتاباً أو أيّ شيء يخلد ذكراها ببهجة دون حزن أو تعاسة، لأنّه لو قُدّر لي كتابة شيء عنها فسيكون تعيساً كما حالي. حاولت بشتى الطرق إقناع هادي «(حنينك) يستحقهي (حنيني) أيضاً». ردُّ هادي جاء موجعاً تردد حينها بالكلام ولكن سمعت بكاء بين الحروف. أنا الآن مستغربة، هل هناك عشق بهذا العمق والقوة؟ «كلما هممت بطبع الرواية أندم أنني لم أكن سافلاً واستغل لجوءها وضعفها. سأبالغ لو قلت لكِ كنت مستعداً أن أبيع عمري كلّه لتصبح لي بقلبها وجسدها. استطاعت وهبي قلبها أما جسدها فبدا كما لو أنه يصرخ: كن قويّاً واقترب أريد أن أرى أمراً لم أرَه بحياتي أن أرى أنوثتي بين يدي مَنْ يعرف قيمتها ويقدّرها. أتذكّر عينيها اللتين استجدتا رجولتي، ولكني خيّبت ظنهما، هل أستحق عشقها حقاً؟ أنتظرت أن تتفوّه بكلمة نعم وهي انتظرت أن أفهم استغاثة عينيها من دون أن تنطق». في هذه الحالة يجب احترام مشاعر هادي مع أنّني وددتُ لو أصفعه. قاطع صفعتي التي كنت أتخيّلها فقال: «غريب أن أكلم فتاة عن أمّها بهذه الطريقة، أنا أعتذر». همهمت لنفسي ببضع كلمات من دون أن يسمعني هادي «الأخرق لا يستحق الرحمة وأنتأكثر حماقة وأكثر جبناً وأكثر خيبة من كلّ خيباتي. حتى هذا الشعور منعته عن أمّي، سحقاً. هذه الحوريّة تستحق بعض الحبّ الحميم الذي لم تعرفه يوماً». حين أفكّر بوالدتي لا يخطر على بالي إلاّ أمر واحد «لو أن لي الجمال نفسه الذي امتلكته والجسد نفسه لكنت الآن بائعة هوى أستمتع بجسدي كما أريد ومع مَن أريد». هل حقاً ما يمنعني عدم اكتمال جمالي وبروز أنوثتي كما والدتي؟ لا بل الحقيقة هي عدم اكتراثي بالعلاقات الحميمة. ربما هو عجز عن الفرح أساساً. هذه الأمور تحتاج لخبرة بصنع الفرح أولاً، وبابتكار طرق لخلق الدهشة ثانياً، وإلّا ما حاجة البشرية لأمور لا ينتج عنها إلاّ مخلوقات إضافية لهذا الكون. لا بد أن تأتي مخلوقات جديدة محملة بفرح هذه العلاقة. حين يأتي التعساء يكون ذلك من جراء العلاقات التعيسة بين اثنين إذا كانت مملّة وعادية وخالية من النشوة واللذّة. الآن يمكنني إقناع عارف أكثر بسبب تعاسته، مع أنني لا أجد جدوى من إخباره فهو لا يستحق أنّ يعيش بتعاسة مضاعفة فلأحتفظ لنفسي بهذا التحليل المقيت. السؤال الذي يتطفل على عقلي الآن «حسناً إن كنت أنا جئت نتيجة علاقة غير حميمة ومملة بين زوجين، يوسف أخي كان نتيجة ماذا؟ أيّ نوع من الشعور كان ينتاب والدتي لحظة انعقاد نطفة يوسف. لا لن أحمّل والدتي مسؤولية إنجاب يوسف بمتلازمة داون، ربما هو والدي، نعم هذا أفضل استنتاج، لحظة اغتصاب الرجل لزوجته غصباً وإكراهاً يأتيه عقاب سماوي أنك لست كاملاً برجولتك الإجبارية على كائن ضعيف. خذ إنساناً غير كامل. نقص رجولتك يعطيك أمراً ناقصاً. لأول مرّة أعتبر يوسف ليس مميزاً بل نتيجة عدم اكتمال وأقرّ أن المميّز هو اختلاف سلبي. ربما حقدنا على الآخر يجعلنا ننسى مميزات من نحبّ أو ربما أريد أن أصبّ جام غضبي على والدي بأي طريقة كانت.
حسناً سأعيد ترتيب أفكاري مجدداً، فأنا كثيرة التشتّت حين أملك كمّاً هائلاً منها. هذه الجمعيّة التي سأتولّى أمرها تحتاج لمن يرغب بالانضمام لها. أولاً عارف وهادي ثم مَن؟ يبدو أن هذا السؤال عميق جداً. مَن سيرغب بتأريخ ماضيه بالتلصّص. إن قبِل أحدهم بذلك مؤكداً أنه تعيس، فالتلصّص لا يجرّ إلا الخيبات والتعاسة. ماذا لو أن هناك متلصّصين سعداء؟ أيعقل هذا. يا للهول أين هم؟ كيف سألتقي بهم؟ بدأ فضولي الآن لإيجاد هذا النوع المنقرض من الناس. الحلّ الوحيد أنّ أضاعف بحثي وأعيد هذه الموهبة من جديد. ربما قد كبرت على هذه الأفعال أو أنّ هناك طرقاً جديدة يجب أن أسلكها لاقتفاء أثّرهم. تنتابني قشعريرة التلصّص من جديد، أملك مشجعاً وحيداً، صديق هادي الذي لم أتعرف إليه للآن، هل سأبدو حكيمة إن جلست وأخبرته بكلّ ما يخطر ببالي؟ أم سأكون البلهاء في نظره! هذا كلّه سيعتمد على الجلسة المقبلة معه. سأحاول بكلّ ما أوتيت من ذكاء أن أجعله يندهش لأستفز عقله بغريب أفكاري. أعتقد موهبتي لن تخذلني. كم أنا واثقة من ذلك على الرغم من أنّي لم أستفز حواس أحد من قبل، حتى عارف الأكثر ملامسة لجنوني لم ينبهر كثيراً بل حين يريد أن يواسيني جُلّ ما يفعله بسمة ترضية كحدٍّ أقصى. لا يجب أن أعتبر عارف شخصاً آخر. إنه ظلّي سأحذفه من قائمة الذين أستطيع إدهاشهم.



