ثقافية

الزربية

431

احمد الغازي/ شاعر وقاص مغربي

أختي المسكينة التي تكبرني سنا، انقطعت عن الدراسة أو بالأحرى أرغمها أبي على أن تتخذ المنزل مدرسة لها وملجأ الليل والنهار، لا تتخطى عتبة منزلنا الطيني إلا حين يتعلق الأمر بالأعياد الدينية والعرفية. كانت تقسم وقتها بين المطبخ والغسيل والنسيج التقليدي، كانت تطرز لنا مناديل وتساعد أمي على نسج الزرابي التقليدية، زرابي كانت تعد من الأسمال التي لم تعد تصلح للباس.
ذات مساء، رجعت من الحقل أحمل على رأسي حزمة حطب، رميتها قرب عتبة الدار و ترجلت نحو الداخل، في «السطوان» (سمي كذلك لأنه يشبه في شكله الهندسي الاسطوانة) كانت أمي وأختي وبنات الجيران ينسجن زربية، وكن يغنين ويقهقهن. كاد قلبي يسبقني إلى الخارج حين رمقت صفية تجلس إلى جانب أختي. أرسلت نظرات خجولة نحوها، فاحمرت وجنتاها وطأطأت رأسها.
جلست، أسترق النظر وأحاول أن أجد طريقا إلى الذوبان في الحديث معها وأضع حدا إلى الإرتباك الذي يجعلني أضطرب حتى قدمي ثم فجأة قالت أمي بنبرة آمرة: عليك أن تخرج الآن نحن على مشارف إنهاء النسج، إن بقيت هنا ونحن نقطعها فستموت!
ـ ماذا؟ سأموت من قال لك ذلك؟
ـ نعم، هل تجهل الأمر؟ نعم، بني عند وصول مرحلة القطع والتقطيع على الذكور أن يخرجوا حتى تتم العملية.
رفضت قطعا أن أخرج، فإذا بجدتي تثور علي، وتقرصني في معصمي وعلى محياها سيل جارف من الغضب. حاول الكل أن يجبرني على المغادرة لكن برباطة جأش استطعت أن أتمرد على الكل.
بقيت أنتظر حتى إنتهت العملية ثم وقفت وبدأت أركض في «المراح» وأصرخ: أنا حي لم أمت أنا حي لم أمت.
ثم تسللت بسمة محتشمة بين شفتي أمي، معلنة رضاها بالهزيمة والقطع مع عادة كانت بالنسبة لها كالصلوات الخمس.
كانت الزربية جميلة جدا، جمال تلك الأنامل التي نسجتها، بألوانها الطبيعية وأشكالها الهندسية التي تروي ألف حكاية وحكاية من حكايات الدوار والمنطقة.
في الليل، كنا مجتمعين حول مائدة الطعام، نحتسي حساء «بالكرنب» وهو نبتة وريقاتها تشبه آذان الفيلة.. موجودة بالمنطقة، ثم فجأة صاح جدي: أسكتوا هل سمعتم صوتا؟ إنه يشبه صوت البراح.
بالفعل كان صوت البراح يصدح في المنزل وحسب ما سمعناه، السلطات المحلية تخبر سكان القرية بأن يستعدوا لاستقبال الملك لأنه سيقوم بزيارة إلى مدينة زاكورة. ثم إن على كل عائلة أن تساهم بزربية حتى يتسنى لممثلي السلطة والاعوان والشيوخ أن يجدوا مكانا يطيب لهم وللوفد الملكي.
في الصباح الباكر، أسرعت أمي بتصبين الزربية وعرضتها للشمس، وحين حل يوم الزيارة. نقلنا كالقطعان في «كاميونات» مهترئة الجوانب صدئة الداخل كحالتنا تماما، و قادونا نحو الفيلاج.
ما هذا؟ عجيب كيف لكل هذا النخيل أن ينبت ويعلو وتتدلى عروش الثمر في جنباته بين عشية وضحاها؟ أما المنازل فكسيت بالبياض «الجير».
سبقتنا الزرابي إلى عين المكان، وبين كل الزرابي ووسط الجلبة والضوضاء، استطعت أن أتعرف على زربيتنا وتراءى لي وجه صفية هناك ووجه جدتي الذي كان يفور غضبا أنذاك.
جلسنا ننتظر من الثامنة صباحا حتى الثامنة ليلا، مخزني سقط أمام مرأى الجميع إثر الشمس الحارقة، الأطفال تبولوا في سراويلهم، العياء انسل إلى الجميع، أنا بدوري خارت قواي، كان المظهر أشبه بفيلم الرسالة حين تنتهي مبارزة بين جيشين ويبدو الساقط أكثر من الواقف.
وتدوال الحشود أخباراً كثيرة بين من يقول إن الملك ذهب جوا إلى المدينة وبين من يقول إنه ألغى الزيارة. أما أنا فذهني كان منشغلا طيلة النهار بمصير الزربية التي تطأ عليها الاقدام ووجه صفية الذي ذوبته الشمس وعن مصير المخزني الذي سقط تلك السقطة المميتة وفكرت في الظلام الذي حل في الفيلاج وكيف السبيل للعودة إلى الدوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى