حبّ أولياء الله
الحبّ من الميول الفطرية المودعة في كلّ إنسان، وهو كامنٌ في نفوس الجميع، ولا يمكن أن يخلو منه أيّ إنسان. وحقيقة الحبّ عبارة عن التعلّق الخاص والانجذاب المخصوص بين المرء وكماله. وكلّ واحدٍ منّا يعلم حضوراً بوجود تعلّقٍ وانجذابٍ في قلبه، وإنْ اختلف هذا المتعلّق بين شخصٍ وآخر. فالثابت والمشترك بين الجميع هو أنّهم يتعلّقون بالكمال أو الكامل الذي يرونه بحسب اعتقادهم وتصوّرهم. أمّا دور الحبّ فهو لا ينحصر فقط في طمأنينة الباطن وسكينته، بل للحبّ دور آخر أكثر أهميّة. إنّ هذا الحبّ هو المسؤول عن جميع توجّهات البشر وتحرّكاتهم.فالمحبّ سوف يسعى على الدوام إلى مشاكلة محبوبه في صفاته وشمائله وأفعاله. فإذا كان المحبوب كاملاً تامّاً، وشمائله عظيمةً رفيعة، اتّجه وجوده وصفاته نحو المشاكلة التامّة. فلا يبقى بينه وبين المحبوب أيّ فارق، فلا يعصيه ولا يُخالف له أمراً. ذلك لأنّ الحبّ الذي لا ينطلق من الأنا وحبّ النفس (وهذا هو الحبّ الحقيقي)، هو عبارةٌ عن النظر إلى المحبوب وإلى ما يُريده وما يرتضيه.للقلب دور مركزيّ في صدور الأفعال من الإنسان، وهذا الدور مرتبط بالشيء المحبوب الذي يتعلّق به قلب الإنسان. من هنا يُمكن أن نستنتج أنّه إذا صلح القلب صلح الإنسان بصلاح أعماله واستقامتها,ومن هنا كان الحبّ من أهمّ العوامل التي تُسهّل سبيل الطاعة. بل بإمكاننا القول أيضاً إنّ الطاعة ليست سوى أحد لوازم الحبّ، فبمقدار الحبّ تكون الطاعة. ذلك لأنّ القلب هو أمير البدن وكلّ الأعمال التي تصدر عن الأعضاء والجوارح، إنّما تكون بإمرة القلب، وليس العقل كما يُتصوّر أحياناً. فعقولنا ليست سوى مصباح، يُضيء لنا طريقنا. أمّا المحرّك الواقعي والمسؤول الحقيقي عن أيّة حركة وفعل مهما كان بسيطاً فهو القلب. وإذا أردنا أن نعرف كيفيّة صدور العمل عن الإنسان ينبغي الالتفات إلى المراحل التالية: مرحلة التصوّر: عندما يستحضر صورة العمل مستعيناً بالخيال، ويتصوّره في نفسه..ومرحلة التصديق: فيقوم العقل بتحليل هذا العمل ومدى فائدته. فإذا كان العقل أسير الأهواء فسوف يبقى معطّلاً، فتكون الأهواء هي الحاكمة وفق ما تراه ودون الأخذ بعين الاعتبار رضا الحقّ سبحانه أو موافقة شريعته..ومرحلة التعلّق: وهنا يأتي دور القلب، حيث ينظر إلى العمل ويزنه على أساس ما يُحبّ. فإذا كان حبّ الدنيا مسيطراً على القلب، فإنّ القلب سيتعلّق به، ويُحرّك البدن باتجاهه. وإذا كان القلب متعلّقاً بالله، فلن يتعلّق القلب بهذا العمل، بل سينفر منه لأنّه سيُبعده عن محبوبه، ولن تتحرّك الأعضاء نحو العمل المذكور..ومرحلة التنفيذ: وهي مرحلة ظهور العمل بواسطة الآلات والجوارح في الخارج.أثر الحبّ على الروح إعمارٌ وبناء، وعلى الجسم تذويبٌ وتخريب. إنّ أثره في الجسم عكس تأثيره في الروح، فهو في الجسم باعثٌ على خرابه واصفراره ونحوله وسقمه واختلال هامته وأعصابه، وغير ذلك من صور الهدم والتخريب.. ولكنّه في الروح ليس كذلك، بحسب موضوع الحبّ، وما يريده المحب منه. فإذا تجاوزنا آثار الحبّ الاجتماعيّة، فإنّه من حيث آثاره الروحية الفردية تكميليّ، لأنّه يولّد القوّة والرقّة والصفاء والاتّحاد والهمّة، ويقضي على الضعف والجبن والكراهية والتفرّق والبلادة، ويُنقّي الروح والشوائب التي هي «الدسّ»بتعبير القرآن، ويُزيل الغشّ ويجعل العيار خالصاً.فالحبّ بدوره المركزي أضحى أحد أهمّ مميّزات الإسلام. والتركيز على الحبّ ودوره في حياة الإنسان ومصيره ليس أمراً هامشياً أو عبثياً، لأنّ الإسلام أراد إصلاح الإنسان من خلال إصلاح مركز وجوده ومعدنه. هذا الإصلاح يتحقّق عندما يتعلّق القلب بالكمال الحقيقي الذي تعشقه الفطرة الإنسانية وتميل إليه.فقلب الإنسان بحسب الفطرة التي فُطر عليها لا يمكن أن يتعلّق بالنقص أو بما يُسبّب له الضرر. بل ولا يُمكن أن يتعلّق بالكمال المحدود والفاني، ففي أعماق كلّ إنسان فطرةٌ ينبثق منها هذا الحبّ، وهي لا تريد ولا تطلب سوى الكمال المطلق اللامتناهي. وقد أرسل الله تعالى الأنبياء إلى النّاس، ليس لأجل وضع الفطرة فيهم أو إنشائها في بواطنهم، بل من أجل هدايتهم إلى ما تصبو إليه هذه الفطرة الكامنة فيهم,ولكن لأنّ طبيعة الناس ونفوسهم مستغرقةٌ في عالم الدنيا والظاهر، ولا يُمكنهم في البداية أن يتعرّفوا إلى المصداق الحقيقي للكمال المطلق وهو الله، فقد أنزل الحقّ تعالى إليهم مظاهر هذا الكمال بجلباب البشرية لكي يتعرّفوا إليه من خلالها. فكان أعظم ما في هذا الوجود هو خلق هذا الخليفة لله بصورة البشر ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً﴾ فكان هذا الخليفة الواقعي هو المظهر والممثّل الحقيقي للمستخلف. أي مظهر إرادة الحقّ وكمالاته المطلقة في هذا العالم. ولهذا كان خُلق أهل البيت عليهم السلام حيث يشاهد الناس أمامهم بشراً يمشون في الأسواق، ويأكلون الطعام، وينامون، ويتزوّجون، ومع ذلك فهم مظاهر تامّة للكمال الإلهي اللامتناهي. وهذا ممّا سيُلهب وجدانهم ويزيد من شوقهم ويُلقي الحجّة التامّة عليهم.



