أبعاد الحقوق الإجتماعية في الاسلام


الإسلام شريعة حياة ولأنه دين كل زمان ومكان فلم يغفل عن دائرة اهتماماته حقوق الضعفاء من الناس الذين لا يمتلكون حولاً ولا قوة:كاليتيم الذي لم يبلغ الحلم وفقد والديه أو أحدهما،والأسير الذي وقع في الاَسر وليس له من الأمر شيء،فيكون تحت رحمة آسريه،والفقير الذي لا يملك قوت سنته،والمسكين الذي أسكنه الفقر والفاقة.كلّ هؤلاء وضعهم الإسلام في دائرة اهتمامه وأوجب رعاية حقوقهم.ولقد وجه القرآن الكريم سهام نقده للمجتمع الجاهلي؛لاستضعافه اليتيم وعدم إكرامه،والاعتداء على أمواله،قال تعالى:» .. كلا بل لا تُكرمون اليتيم»،وفي آية أُخرى نجد الوعيد الشديد للذين يعتدون على أموال اليتامى ظلماً وعدواناً،يقول عزَّ وجل:»إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنَّما يأكُلون في بُطونهم ناراً وسيصلون سعيراً»ومن جانب آخر أوجب الإسلام للأسير حقوقاً كالإطعام والإحسان اليه،وإن كان يراد من الغد قتله.وأنَّ علياً(ع) كان يطعم من خُلِّد في السّجن من بيت مال المسلمين.ولما ضربه اللَّعين ابن ملجم المرادي،أوصى الحسن والحسين(ع):ان يطعموه ويسقوه ويُحسنوا إساره,وتذهب مدرسة أهل البيت(ع) بعيداً في رعاية حقوق الضعفاء،فزيادة على توصياتها بضرورة إعطائهم الحقوق المالية التي منحها الله تعالى لهم،تدعو إلى الأخذ بنظر الاعتبار حقوقهم المعنوية،كحقّهم في الاحترام والتوقير،ولا يخفى ان تحقير الفقير والأسير وكذلك اليتيم سوف يشعرهم بالدّونية ويولّد في أعماق نفوسهم مشاعر الحزن والأسى،ويدفعهم ذلك إلى الانتقام آجلاً أم عاجلاً وإدراكاً من الأئمة للعواقب المترتبة على الإساءة إلى كرامة الضعفاء،جهدوا على استئصال كل ما من شأنه المس بكرامتهم،واستعملوا الوازع الديني كوسيلة أساس،من خلال التذكير بسخط الله تعالى وغضبه على كل من انتقص من الضعيف وطعن في كرامته،يقول أمير المؤمنين(ع)موصياً:»لا تحقّروا ضعفاء إخوانكم،فإنه من احتقر مؤمناً لم يجمع الله عزّ وجل بينهما في الجنّة إلاّ أن يتوب»..فقد أوجب الإسلام لمن يعلِّم الناس حقاً عظيماً يتناسب مع عظمة العلم والمعرفة،وقد نقل لنا القرآن الكريم رغبة موسى(ع) وهو من أولي العزم ـ في طلب العلم ،وكيف صَمّمَ على بلوغ هذا الهدف السامي مهما كانت العوائق ومهما بعد المكان وطال الزمان،عندما قال:»..لآ أبرَحُ حتى أبلُغَ مجمعَ البحرينِ أو أمضِيَ حُقُباً»،ولما وجد العبد الصالح وضع نفسه موضع المتعلم،وأعطى لأستاذه حق قيادته وإرشاده،قائلاً له:»هل أتَّبِعُكَ على أن تُعلّمنِ ممَّا عُلّمت رُشداً»،فإذا نَبهه إلى أمر تنبّه، وإذا انكشف له الخطأ سارع إلى الاعتذار من استاذه ووعده بالطاعة،وأعطى بذلك درساً بليغاً في أدب المتعلم مع المعلّم.
وكان النبي الأكرم(ص) يصرح بأنه بُعث معلّماً،ودعا في أحاديث عديدة إلى مراعاة حق العلم والمعلِّم.وتناولت مدرسة أهل البيت :حقوق المعلم والمتعلم معاً بشيء من التفصيل وحثت على إكرام المعلم وتبجيله،لكونه مربّي الأجيال. وانطلاقاً من حرص الإسلام الدائم على انسياب حركة العلم،وعدم وضع العقبات أمام تقدمه وانتشاره،طلب من المعلم أن يضع نصب عينه حقوق المتعلّم،فيسعى إلى ترصين علمه،واختيار أفضل السُّبل لإيصال مادته العلمية،ولا يُنفّر تلاميذه بسوء عشرته.
ومن المعلوم أن الأئمة : قد اضطلعوا بوظيفة التربية والتعليم وأعطوا القدوة الحسنة في هذا المجال،وخلّفوا تراثاً علمياً يمثل هدىً ونوراً للاجيال.فمن حيث الكفاءة العلمية فهم أهل بيت العصمة،ومعادن العلم والحكمة،ومن حيث التعامل الأخلاقي فهم في القمّة،بدليل أنّ الطلاّب يقصدونهم من كلِّ حدب وصوب،ويسكنون لهم كما يسكن الطير إلى عشّه.وكان الإمام الصادق(ع) يشكّل الاُنموذج السامي للمعلم الناجح الذي يقدّر العلم حقّ قدره،وقد جمع إلى علميته الفذّة أخلاقية عالية,وعلى العموم توصي مدرسة أهل البيت(ع):بمجالسة العلماء،ومزاحمتهم بالرّكب،ومجالسة الحلماء لكي يزداد الإنسان حلماً، ومجالسة الأبرار الذين إذا فعلت خيراً حمدوك،وإنْ أخطأت لم يعنّفوك،وكذلك مجالسة الحكماء؛لما فيها من حياة للعقول،وشفاء للنّفوس.وأيضاً مجالسة الفقراء؛لكي يزداد الإنسان شكراً. كما نجد نهياً عن مجالسة الأغنياء الذين أطغاهم الغنى فأصبحوا أمواتاً وهم أحياء،ونهياً عن مجالسة الجهلاء،وأهل البدع والأهواء،وضرورة الفرار منهم كما يُفر من المجذوم.
ما من إنسان إلاّ ويأتي عليه زمان يلتمس فيه النصح والإرشاد للخروج من مشكلةٍ وقع فيها،أو لمشروع يعتزم القيام به ، وعندما يقدّم إليه أحدٌ نصيحة مخلصة،يُفتح له باب المخرج أو تُكسر له حلقة الضيق،فيمتلئ قلبه غبطةً وابتهاجاً.والإسلام دين التناصح والتشاور،يعدّ الدّين النصيحة،ويشجع على بذلها.والبعض من الاَفراد يتحاشى النصيحة،خوفاً من إغضاب إخوانه،وخاصة أولئك الذين يسدّون آذانهم عن الآراء والنصائح التي لا تتفق ـ عاجلاً ـ مع مصالحهم وأهوائهم. هذا الموقف ترفضه تعاليم أهل البيت(ع): يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته الوعظية للإمام للحسن(ع):»أمحَضْ أخاك النَّصيحة،حسنةً كانت أو قبيحة»،ويقول(ع):»ما أخلصَ المودّةَ مَنْ لم ينصح».والإسلام يرى أن أفضل الاعمال ـ التي توجب القرب من الحضرة الإلهية :النصح لله في خلقه.



